شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٥١ - (باب الفخر و الكبر)
..........
عند اللّه تعالى و عند الخلائق و صاحبه معظم عند جميع المخلوقات كما دل عليه صريح الروايات، و لهذا قيل، اذا ذل العالم، ذل بذله العالم، فاذا تكبر العالم و افتخر فليعلم ان خطر أهل العلم أكثر من خطر أهل الجهل و أن اللّه تعالى يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العالم، و ان العصيان مع العلم أفحش من العصيان مع الجهل. و ان عذاب العالم أشد من عذاب الجاهل، و أنه تعالى شبه العالم الغير العامل تارة بالحمار و تارة بالكلب، و أن الجاهل أقرب الى السلامة من العالم لكثرة آفاته و ان الشياطين أكثرهم على العالم، و سوء العاقبة و حسنها أمر لا يعلمه الا اللّه سبحانه فلعل الجاهل يكون أحسن عاقبة من العالم و أن العالم ينبغى أن يكون مستغرقا فى شهود الحق لا يلاحظه غيره فضلا أن يتكبر و يفتخر عليه، و ان الكبرياء رداء اللّه و مختص به و ان المتكبر ممقوت عند اللّه تعالى و معذب فى الآخرة كما قال تعالى «أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ» و أن الكلب و الخنزير أحسن حالا من أهل جهنم فاذا علم هذه الامور بعين اليقين و تأمل فيها تأملا صادقا أنيقا و نظر إليها نظرا دقيقا أمكن له التخلص من رذيلة الافتخار و النجاة من معصية الاستكبار.
السابع العبادة و الورع [١] و الزهادة و هى أيضا فتنة عظيمة و علاجها صعب لكن من
[١] يدقق النظر حتى يتحقق لديه أن العلوم الحاصلة للانسان التى بها يمتاز عن سائر الحيوانات كعلم الحساب و الهندسة و خواص النبات و الحيوان و المعارف الالهية و غيرها جميعا امور كلية عقلية غير مدركة بالحواس الجسمانية بل بقوة مجردة عقلية و ان كانت أول حدوثها محتاجة الى الاحساس لكن لا يحتاج إليها فى البقاء كما قلنا آنفا فى مراتب النفس و أن المزاج الخاص علة معدة لوجود النفس كالحطب للدخان لا علة فاعلة فتبقى العلوم للانسان بعد ان صار أعمى و أصم و ان كانت أول حدوثها حاصلة من السمع و البصر و لكن هاهنا شيئا و هو أن بعض العلوم و ان كانت كلية لكن غايتها الاستعانة بها على المعاش و اتقان الصنائع و لا يفيد فائدة كلية للنفس بعد الفراق عن البدن كالحساب فانه للتجارة، و الهندسة فانها للصنائع و البناء و الطب لمعالجة المرضى و اختزان أمثال هذه العلوم للنفس و ان كان يبقى بعد الموت بمنزلة اختزان النجار آلاته بعد قطع يده و زوال قدرته، و أما العلم الّذي يفيد الانسان بعد الموت فهو العلم الّذي لا يتوقف الاستفادة منه على البدن و ليس لنظم أمر الدنيا و معاشه و ينبغى التأمل و البحث فى الفرق بين حالة الانسان و علومه المكتسبة فى الدنيا و بينهما فى الآخرة و الميز بينهما و لعلنا نعود إليه فى موضع لائق ان شاء اللّه تعالى.
[١] قوله «السابع العبادة و الورع» هذا أقوى ما يفيد النفس و يوجب سعادته بعد