شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٨٥ - (باب طلب الرئاسة)
٢- عنه، عن أحمد، عن سعيد بن جناح، عن أخيه أبي عامر، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من طلب الرئاسة هلك.
رئاسة شرف و علا قدره و هو رئيس، و الجمع رؤساء، مثل شريف و شرفاء، و الضارى السبع الّذي اعتاد بالصيد و اهلاكه، و الرعاء بالكسر و المد جمع راع اسم فاعل، و بالضم جمع صرح بالاول صاحب المصباح و بالثانى القاضى و فيه تبعيد للمسلم من طلب الرئاسة لانها تهلك دينه و تفسده و سبب ذلك أن الرئاسة متوقفة على العلم بالامور الشرعية و الاخلاق النفسانية و تهذيب الظاهر و الباطن من الاعمال و الاخلاق الباطلة و تحليتهما بالاعمال و الاخلاق الفاضلة، و تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة، و تعديل القوة الشهوية و الغضبية و رعاية العدل فى جميع الامور و هذه الامور لا توجد الا فى المعصوم، و من وفقه اللّه تعالى من أوليائه، و قد سأل بعض موالى على بن الحسين أبا عبد اللّه (ع) «أن يكلم بعض الولاة على أن يوليه فى بعض البلاد و أقسم بأيمان مغلظة أن يعدل و لا يظلم و لا يجور فرفع أبو عبد اللّه (ع) رأسه الى السماء فقال تناول السماء أيسر عليك من ذلك» و روى مسلم باسناده عن أبى ذر (رحمه اللّه) قال: «قلت يا رسول اللّه ألا تستعملنى فقال: فضرب بيده على منكبى ثم قال يا أبا ذر انك ضعيف و انها أمانة [١] و انها يوم القيامة خزى و ندامة الا من أخذها بحقها و أدى الّذي عليه فيها».
قوله (من طلب الرئاسة هلك)
(١) طلب الرئاسة قصدا و لا تفوقه على الخلق و استيلاؤه عليهم بحكم النفس الامارة و قضاء القوة الشهوية و الغضبية، و علم أن ذلك لا يتيسر له الا بالرئاسة المقتضية لتوجه الخلق إليه و احتياجهم لديه فلذلك طلبها مع علمه بأن فيها هلاكه لكونها حقا للعالم الربانى ضرورة أن التصرف و التدبير فى أمر الخلق، و اقامة المعدلة بينهم
[١] قوله «انك ضعيف و أنها أمانة» كأنه من مجعولات رواة السوء في دولة بنى امية فان أبا ذر (رحمه اللّه) كان مضادا لهم لظلمهم و اسرافهم و كانوا يزعمون العدل و التسوية التى يريدها أبو ذر ضعفا و هكذا الجبابرة القدرة عندهم مرادفة للظلم و العدل مساوق للضعف و عند الحكماء المعتنين بالعلوم الاجتماعية العدل مساوق للقدرة و الظلم للضعف و روى عن النبي (ص) «الملك يبقى مع الكفر و لا يبقى مع الظلم» و لا يبقى الشيء الا لقوته و لا يفنى الا لضعفه، و السر فيه أن الظالم يبغض الخلق و الخلق يبغضونه و كل همه أن يحارب رعيته و يمنعهم من كل شيء يوجب تقويتهم حتى لا يبارزوه و لا يظهر من أحد من رعاياه ما أودعه اللّه فيه من ابداع الحرف و الصنائع و العلوم و أنواع آثار العمران و ذكر ابن مسكويه أن ارتفاع البلاد قل فى زمن الحجاج جدا لظلمه و زاد و كثر فى عهد عمر بن عبد العزيز لعدله (ش)