شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٢ - (باب) الرضا بموهبة الايمان و الصبر على كل شيء بعده
٦- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن منصور الصيقل و المعلّى بن خنيس قالا: سمعنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):
قال اللّه عزّ و جلّ: ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في موت عبدي المؤمن، إنّني لاحبّ لقاءه و يكره الموت، فأصرفه عنه و إنّه ليدعوني فاجيبه و إنّه ليسألني فاعطيه، و لو لم يكن في الدّنيا إلّا واحد من عبيدي مؤمن لاستغنيت به عن
أودية الدنيا و كل شعبة من شعب النفس و هواها و هى كثيرة منها حب المال و الجاه و الشرف و العلو و لين المطاعم و المشارب و الملابس و المناكح الى غير ذلك من متعلقات الهوى و مقتضيات الطبع، فمن أرسل نفسه الى هواها و لم يصرفها عن مقتضاها الى دين الحق و الايمان و أركانه لم يبال اللّه به و بما ذهب من دينه و لم يمدده بنصره و توفيقه و لم يكن له عنده قدر يحفظه بتأييده و لا وزن يحرسه بتسديده. و لم يبال به فى أى واد هلك و لا فى أى طريق سلك و يمكن أن يراد بالهم الواحد القصد الى اللّه و التوكل عليه فى جميع الامور فانه تعالى يكفيه هم الدنيا و الآخرة. بخلاف من كان قصده الدنيا و سلب عن نفسه علاقة التوكل فانه تعالى لم يبال بأى واد هلك، و يؤيده ما روى من جعل الهم هما واحدا كفاه اللّه هم الدنيا و الآخرة.
قوله (قال رسول اللّه (ص) قال اللّه عز و جل ما ترددت فى شيء أنا فاعله كترددى فى موت عبدى المؤمن، اننى لاحب لقاءه و يكره الموت فاصرفه عنه)
(١) هذا الحديث من الاحاديث المشهورة بين الخاصة و العامة، و من المعلوم عند الموحد أنه لم يرد التردد المعهود من الخلق فى الامور التى يقصدونها فيترددون فى امضائها اما لجهلهم بعواقبها أو لقلة ثقتهم بالتمكن منها لمانع و نحوه، و لهذا قال أنا فاعله أى لا محالة أنا أفعله لحتم القضاء بفعله و لنقل العبد من دار الغرور الى دار السرور التى هى غاية مأموله و نهاية مقصوده، فلا بد فيه من تأويل، و فيه وجوه عند الخاصة و العامة. أما وجوهه عند الخاصة فثلاثة ذكرها الشيخ فى الاربعين: الاول أن فى الكلام اضمارا و التقدير لو جاز على التردد ما ترددت فى شيء كترددى فى وفات المؤمن، الثانى أنه لما جرت العادة بأن يتردد [١] الشخص فى مساءة من يحترمه و يوقره كالصديق و ان لا يتردد فى مساءة من ليس له عنده قدر و لا حرمة كالعدو، بل يوقعها من غير تردد و تأمل صح أن يعبر عن توقير الشخص و احترامه بالتردد و عن اذلاله و احتقاره بعدمه، فالمعنى ليس لشيء من مخلوقاتى عندى قدر
[١] قوله «لما جرت العادة بأن يتردد» نسبة التردد الى اللّه تعالى كنسبة سائر الحالات الدالة على التغير و الاستحالة يتنزه عنه البارى كالغضب و الرضا و الاسف و المراد بأمثالها شأنية المقام لعروض هذه الحالات لو كان المورد انسانا. (ش)