شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٤٤ - (باب) (المؤمن و علاماته و صفاته)
قال: فصاح همّام صيحة، ثمّ وقع مغشيّا عليه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أما و اللّه لقد كنت أخافها عليه و قال: هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها، فقال له قائل:
فما بالك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّ لكلّ أجلا لا يعدوه و سببا لا يجاوزه، فمهلا لا تعد فإنّما نفث على لسانك شيطان.
(بل يقتدى بمن كان قبله من أهل الخير)
(١) كالانبياء و الأوصياء و غيرهم ممن عرف بالخير و اشتهر به (فهو امام لمن بعده من أهل البر)
(٢) البر الصلة و الجنة و الخير و الاتساع فى الاحسان و الصدق و الطاعة، و قد يطلق على العفة و بهذا الاعتبار يقابله الفجور و يمكن أن يراد بالبر هنا ما دل عليه القرآن الكريم «وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ- الى قوله- أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ». وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقىٰ» فان المراد بالبر فى هاتين الآيتين كمال الايمان و التقوى و الاعمال الجميلة و الاخلاق الحسنة.
(قال فصاح همام صيحة ثم وقع مغشيا عليه)
(٣) فى نهج البلاغة «فصعق صعقة كانت فيها نفسه» يعنى غشى عليه و مات (رحمه اللّه). قال بعض الافاضل لم يكن يغلب على ظنه (ع) الا الصعقة من الوجد الشديد. فأما ان فيها موته فلم يكن مظنونا له فلا تحم حول ما قيل انه كيف جاز منه (ع) أن يجيبه مع غلبة ظنه بهلاكه و هو كالطبيب انما يعطى كلا من المرضى بحسب احتمال طبيعته من الدواء و الحق أنه (ع) كان عالما بما يرد عليه و ربما يشعر به ما نقلناه فى اوّل الباب عن بعض الاعلام كما يشعر به ما نقله الراوى بقوله:
(فقال أمير المؤمنين (ع) أما و اللّه لقد كنت أخافها عليه)
(٤) و عدم جواز اجابته بعد مبالغته فى السؤال و عزمه عليه مع غلبة ظنه بهلاكه ممنوع لجواز علمه (ع) بأنه تعالى جعل موته بسماع هذه الموعظة البليغة فما فعله الا بأمر ربه، أو بأن فيه حكمة و ان لم نعلمها و خفاء الحكمة لا تقتضى نفيها.
(و قال هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها)
(٥) و كان همام لاستعداد نفسه القدسية لاستشراق لوامع الانوار الالهية من أهلها فلذلك فعلت به ما فعلت.
(فقال له قائل فما بالك يا أمير المؤمنين فقال ان لكل أجلا لن يعدوه و سببا لا يجاوزه فمهلا لا تعد فانما نفث على لسانك شيطان)
(٦) اعلم أن هذه الصفات اذا اجتمعت فى مؤمن تنور قلبه و تزيد رقته و تجلو رينه و تزيل قسوته و ترفع الحجاب بينه و بين ربه و تفتح باب المكاشفة فيلوح فيه جمال الحق و أنوار الربوبية و عالم الملك و آثار القهر و الجبروت كما ينتقش الصور فى المرآة الصافية المجلوة و هذا على سبيل التشبيه و الا فقد ترتفع الامثلة و الاشباح من البين و يتصل هو بالحق اتصالا معنويا فيكون الحق حينئذ سمعه و بصره و يده و لسانه كما ورد فى الحديث