بيان الأصول - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ١٥٠ - حكم الجاهل بعد إجراء البراءة
الفتويان، فإن كان وقع مخالفا لرأي من كان رأيه حجة في حقه حين العمل، و موافقا لرأي من رأيه حجة حين التذكر و السؤال، كأن كان رأي الأوّل بطلان الصلاة بلا سورة، و هو أتى بها فاقدة لها، و رأي الثاني عدم وجوب السورة و صحتها بدونها، فإن كان مستند رأي المفتي الثاني القطع أو الدليل القاطع الذي يكون بحيث يقطع به بخطإ الأوّل، فلا ريب في أنّ الواجب عليه أن يفتي بصحته، فإنّه يرى عمله مطابقا للواقع و إن كان مخالفا لرأي من كان يجب عليه تقليده حين العمل، فإنّ مخالفة العمل للطريق لا تضر بصحة العمل إذا كان مطابقا للواقع.
و أمّا إن كان مستند رأي المفتي أصل البراءة من وجوب السورة مثلا، فلا يجوز له الإفتاء بصحة العمل؛ فإنّ البراءة إنّما تجري إذا لم تكن حجة على الحكم، و قول المفتي السابق بالوجوب كان عن حجة، فلا يجوز للمفتي الذي يقول بعدم الوجوب بالبراءة الفتوى بالصحة؛ لأنّ العامل يرى عمله باطلا مخالفا للحجة و مطابقته للواقع مشكوكة.
و هكذا يجري الكلام في الخبرين المتعارضين المتكافئين على القول بالتخيير الشرعي، فإنّ الحجة على الحكم ما يختاره المفتي، و ما اختاره المفتي الأوّل جزئية السورة و هو حجة للمقلد و يكون عمله السابق مخالفا للحجة، و ما اختاره المفتي الثاني حجة له لا تنفى به حجية فتوى الأوّل و لا كونها على خلاف الواقع، فلا تؤثر في ثبوت عدم الجزئية في زمان العمل، لأنّ حجية أحد المتعارضين إنّما تكون من زمان اختياره لا قبله. مضافا إلى أنّ حجية كل واحد منهما باختيار هذا