التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٤٣ - الثامن الكافر
..........
و أشد من الشرك في العبادة كإنكار وجود الصانع رأسا، لأن المشركين غير منكرين لوجوده سبحانه و انما يعبدون الأصنام و الآلهة ليقربوهم الى اللّٰه زلفى و يعتقدون ان الموت و الحياة و الرزق و المرض و غيرها من الأمور الراجعة إلى العباد بيد هؤلاء الشفعاء، و من البديهي ان إنكار وجوده تعالى أسوة من ذلك و أشد فهو أولى بالحكم بالنجاسة من المشرك بالضرورة. و أما غير هذه الفرق الثلاث من أصناف الكفار كأهل الكتاب فقد وقع الخلاف في طهارتهم و هي التي نتكلم عنها في المقام فقد يستدل على نجاسة الكافر بجميع أصنافه بقوله عز من قائل إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا [١] بتقريب ان اللّٰه سبحانه حكم بنجاسة المشركين و فرّع عليها حرمة قربهم من المسجد الحرام، و ذلك لأن النجس بفتح الجيم و كسره بمعنى النجاسة المصطلح عليها عند المتشرعة، فإنه المرتكز في أذهانهم و بهذا نستكشف ان النجس في زمان نزول الآية المباركة أيضا كان بهذا المعنى المصطلح عليه لأن هذا المعنى هو الذي وصل الى كل لاحق من سابقه حتى وصل الى زماننا هذا، و بما ان أهل الكتاب قسم من المشركين لقوله تعالى حكاية عن اليهود و النصارى وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ الى قوله سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ [٢] فتدل الآية المباركة على نجاسة أهل الكتاب كالمشركين. و قد أجيب عن ذلك بأمور و نوقش فيها بوجوه لا يهمنا التعرض لها و لا لما أورد عليها من المناقشات بل الصحيح في الجواب عن ذلك ان يقال: ان النجس عند المتشرعة و ان كان بالمعنى المصطلح عليه إلا انه لم يثبت كونه بهذا المعنى في الآية المباركة لجواز ان لا تثبت النجاسة- بهذا المعنى الاصطلاحي- على شيء من الأعيان النجسة في زمان نزول
[١] التوبة ٩: ٢٨
[٢] التوبة ٩: ٣٠- ٣١