سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٦ - الخامس في وفاته و من قتله و شيء من آثاره و ما فتح في زمنه
رواه أبو داود الطّيالسيّ و عمر بن مسروق عن شعبة،
و سبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، فإنّ حذيفة كان في بعض الغزوات و قد اجتمع فيها خلق عظيم من أهل الشام فكان بعضهم يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، و أبي الدّرداء، و جماعة من أهل العراق يقرؤون على قراءة ابن مسعود، و أبيّ، فجعل من لم يعلم أن القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، و ربّما يجاوز ذلك إلى تخطئته و كفره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد، فركب حذيفة إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن تختلف كاختلاف اليهود و النّصارى في كتبهم، فعند ذلك جمع عثمان الصّحابة- رضي اللّه تعالى عنهم- و شاورهم في ذلك، و اتّفقوا على كتابة المصحف و أن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالصّحف التي كان الصّدّيق- رضي اللّه تعالى عنه- قد أمر زيد بن ثابت بكتابته و جمعه، فكان عند الصّدّيق أيّام حياته، ثم كان عند عمر بن الخطّاب- رضي اللّه تعالى عنه- فلما توفّي صار إلى حفصة، فاستدعى به عثمان، و أمر زيد بن ثابت الأنصاريّ أن يكتب و أن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، يحضره عبد الله بن الزّبير و عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي، و أمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتبوا لأهل الشام مصحفا و لأهل مصر آخر و بعث إلى البصرة مصحفا، و إلى الكوفة آخر، و آخر إلى مكة، و آخر إلى المدينة، و أقر بالمدينة مصحفا، و ليست كلها بخط عثمان، بل و لا واحد منها، و إنما هي بخط زيد بن ثابت، و إنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره و زمانه و خلافته.
و روى البيهقي و غيره بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال عليّ: أيها الناس، يقولون:
عثمان حرق المصاحف، و اللّه ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمّد- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و لو ولّيت مثل ما ولّي لفعلت مثل الذي فعل، و كان ذلك بإجماع الصّحابة- (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين).