سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - السابع في مرضه و وفاته و ذكر بعض ما رثي به
المسلمين لم نأكل لهم دينارا و لا درهما و لكنا أكلنا خبز الشعير طعامهم في بطوننا، و لبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، و ليس عندنا من فيء المسلمين قليل و لا كثير إلا هذا العبد الحبشيّ و هذا البعير النّاضح و هذه القطيفة، فإذا متّ فابعثي بها إلى عمر، قالت عائشة: فقلت، فلما جاء الرّسول إلى عمر بكى، و جعلت دموعه تسيل، و يقول: رحم اللّه أبا بكر مرّتين، لقد أتعب من بعده. و من مناقبه ما كان من إنقاذ جيش أسامة، و مخالفته الكافّة في ترك إبعاده و قوله: كأن أخرّ من السماء فتخطفني الطير، و تنهشني السّباع أحبّ إليّ أن أكون حالا لعقد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و هو يقول عند موته: أنقذوا جيش أسامة.
و منها قتالة أهل الرّدّة، و خروجه بنفسه.
قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزيّ: و قبل عمر رأيه- رضي اللّه تعالى عنهما- في قتال أهل الردة.
و منها عهده إلى عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- لما حضرته الوفاة، و قوله له: اتّق اللّه، يا عمر! و اعلم أن للّه عملا بالنهار لا يقبله بالليل، و عملا بالليل لا يقبله بالنهار، و إنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى لها فريضة، و إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحقّ في دار الدّنيا، و ثقله عليهم و حقّ لميزان يوضع فيه الحقّ أن يكون ثقيلا، و إنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل، و حقّ الميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا، و إنّ اللّه تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، و تجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم قلت:
إني أخاف أن لا ألحق بهم، و إن اللّه تعالى ذكر أهل النّار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، و ردّ عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكن العبد راغبا و راهبا، و لا يتمنّى على اللّه، و لا يقنط من رحمته، فإن أنت حفظت وصيّتي فلا تكن الدّنيا أحبّ إليك من الموت.