سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٩٧
بذلك أو علموه من جهة أنهم رأوا خلقه مركبا على الغضب و الشهوة، و من كان كذلك فالظاهر أنه يفسد و يسفك الدماء، أو علموه لأنهم لما رأوا ما خلق للإنسان من العذاب في النار، أو لتسمية اللّه تعالى آدم خليفة فإنه قيّم بفصل الخصومات، فعلموا أحواله من جهة خلافته، و كل هذه الوجوه منقولة.
و أما إضافتهم ذلك إلى جميع بني آدم فليس في الكلام صريح إضافة إلى الجميع، و لو صدر هذا من واحد صحّ أن يقال: جعل في الأرض من يفسد فيها و يسفك الدماء، لأن من تقع على الواحد و الجمع.
و الجواب عن هذا الوجه الثاني: و هو أن قولهم: إن هذه غيبة لبني آدم، أن الغيبة قد تباح للمصلحة في مواضع، منها نصيحة المسلم في عبد يشتريه، أو زوجة يتزوجها، أو ما ناسب ذلك، لحديث فاطمة بنت قيس، لما خطبها معاوية و أبو جهم، و
قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لها: «أما معاوية فصعلوك، و أمّا أبو جهم فلا يضع العصي عن عاتقه»،
و منها إعلامه بما يقال فيه ليتجنبه، و منها الإعلام بحال من لا يصلح لأمر مهم من أمور المسلمين، مثل وليّ أمر يريد أن يولّي رجلا ما لا يصلح له، و مثل رجل يريد أن يستفتي أو يتعلم منه، و منها أن يكون ذلك للتعريف، كالألقاب، و منها ما يقع في الفتوى و التعلم، فيجوز للمتعلم و المستفتي أن يوضح الحال فيما أريد السؤال عنه، كقول المرأة للمفتي: زوجي كذا فما أفعل، و قد صحّ في هذا حديث هند امرأة أبي سفيان و أنها قالت للنبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إن أبا سفيان رجل شحيح، و جاز ذلك لحاجتها إلى علم ما يجوز لها أن تتناول من ماله، و قصة الملائكة من هذا الباب، لأن قصدهم إنما كان معرفة الحكم و إزالة الإشكال في ذلك و التعلم، فكان ذلك من الغيبة الجائزة.
و الجواب عن الوجه الثالث، و هو أن قولهم: وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ إلى آخره جار مجرى الإعجاب من وجهين.
أحدهما: أنا لا نسلم أن ذلك من باب مدح النفس، بل هو من التحدث بنعم اللّه عز و جل، و التحدث بنعم اللّه شكر، و قد قال تعالى لنبيه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.
و الثاني: أن ذلك جار مجرى الاعتذار عما ذكروه، لأن قولهم: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في صورة الاعتراض، فأراد الملائكة نفي توهم ذلك عنهم، فأتبعوا سؤالهم بقولهم وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ يعنون اللّه تعالى أعلم، أنا لسنا نعترض عليك في أمرك، فإنّا عبيدك المسبحون المقدسون.
و الجواب عن الرابع هو أن إبليس كان من الملائكة و عصى، و أن الناس اختلفوا فيه.
قال الإمام النووي: روي عن طاوس و مجاهد و ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- أنه