سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٩٢
و أثر خالد بن أبي عمران «و إسرافيل بمنزلة الحاجب».
و ما شاكل ذلك يدل على تفضيل إسرافيل.
العاشر:
ذكر الإمام الحليمي في شعبه، و تبعه البيهقي و القاضي عياض و القونوي أن من الملائكة رسلا، و غير رسل، و أطلق الإمام الرازي القول أن الملائكة رسل اللّه، و احتج عليه بقوله تعالى جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر ١] و اعترض عليه بقوله تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ [الحج ٧٥] و أجاب بأن «من» للتبيين أو للتبعيض، و أطلق ذكر الخلاف في عصمتهم، و الجمهور الأعظم من علماء الدين على عصمة كل من الملائكة عن جميع الذنوب و من الحشوية من خالف في ذلك، و في كلام غيره نظر من العلماء، منهم القاضي عياض و غيره ما يدل على أن منهم الرسل، و منهم من ليس برسول، و جعل القاضي عياض الخلاف مبينا على ذلك، و سيأتي نقل كلامه بحروفه.
الحادي عشر: في عصمتهم
قال القاضي- (رحمه اللّه تعالى)-: اتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين من الملائكة حكم النبيين، سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه، و أنهم في حقوق الأنبياء و التبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم، و اختلفوا في غير المرسلين منهم، فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي، و احتجوا بقوله تعالى لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم ٦].
قال الإمام الرّازي- (رحمه اللّه تعالى)- هذه الآية تتناول جميع الملائكة في فعل جميع المأمورات و ترك جميع المنهيات، لأن كل ما أمر بفعله فقد نهى عن ضده، و الدليل على العموم صحة الاستثناء و بقوله تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء ٢٠] و من هذه صفته لا يتصور منه صدور الذنب، إذ لو صدر منه الذنب لفتر عن التسبيح، و للمنع في هذا الوجه و الذي قبله مجال واضح لقوله تعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء ٢٧] و هذا يقتضي توقفهم في كل الأمور على أمر اللّه تعالى، و من كان كذلك لم يصدر منه الذنب، و قرره الآمدي بأن قال المعصية إما بمخالفة الأمر و النهي، لا جائز أن يقع مخالفة الأمر، إذ هو خلاف الآية، و لا جائز أن يقع لمخالفة النّهي، لأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، و مخالفة النهي إنما تكون بارتكاب المنهي عنه و ارتكاب المنهي يقتضي عدم التلبس، و هذا بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده، و هي مسألة مشهورة.
و احتج الإمام مع من ذكر بوجهين آخرين:
أحدهما: أنهم طعنوا في البشر بالعصمة، فلو كانوا عصاة لما حسن منهم هذا الطعن، و لا يخفى ما فيه.