سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣٤ - تنبيهات
خلافة عثمان، و قد تأخّر زيد بن ثابت- رضي اللّه تعالى عنه-، و انتهت إليه الرئاسة في القراءة، و عاش بعدهم زمنا طويلا، فالظاهر أنه أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول، و لا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد من ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن الكريم، بل كان الذين يحفظون (مثل الذين حفظوه) و أزيد جماعة من الصّحابة.
و في الصّحيح في غزوة بئر معونة «أنّ الذين قتلوا بها من الصّحابة كان يقال لهم القرّاء، و كانوا سبعين رجلا».
الرابع: في حديث ثابت عن أنس مخالفة لحديث قتادة من وجهين.
أحدهما: التصريح بصيغة الحصر في الأربعة.
و الآخر: ذكر أبي الدّرداء بدل أبيّ بن كعب و قد استنكر جماعة من الأئمّة الحصر في الأربعة قال الإمام المازريّ: لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك، لأنّ التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، و إذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك، و قال القرطبي: إنّما خصّ أنس الأربعة بالذكر لشدّة تعلّقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم.
و قال القاضي أبو بكر الباقلّانيّ: الجواب عن حديث أنس من أوجه.
أحدها: أنه لا مفهوم له.
الثاني: المراد لم يجمعه على جميع الوجوه و القراءات التي نزل بها إلا أولئك.
الثالث: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته و ما لم ينسخ إلا أولئك.
الرابع: المراد بجمعه تلقّيه من في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لا بواسطة.
الخامس: أنّهم تصدّوا لإلقائه و تعليمه فاشتهروا به.
السادس: المراد بالجمع الكتابة.
السابع: المراد بالجمع أنه لم يفصح بأن أحدا جمعه بمعنى إكمال حفظه في عهد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلا أولئك.
الثامن: المراد بجمعه السّمع و الطاعة له و العمل بموجبه، و قد أخرج أحمد في الزهد من طريق أبي الزّاهريّة أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال: إن ابني جمع القرآن فقال: اللّهمّ غفرا! إنّما جمع القرآن من سمع و أطاع.