سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٠ - الرابع فيما أثر عنه من حكمه و كلماته و أشعاره- رضي اللّه تعالى عنه
عليه، و محبّة العالم دين يدان بها العلم، يكتسب العالم الطاعة في حياته و جميل الأحدوثة بعد موته، و منفعة المال تزول بزواله، مات خزّان الأموال و هم أحياء، و العلماء باقون ما بقي الدّهر أعيانهم مفقودة، و أمثالهم في القلوب موجودة، هاه هاه، و أشار بيده إلى صدره، إنّ هاهنا علما لو أصبت له حملة بلى أصبته لفتى غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدّنيا للدّين، فيستظهر لحجج- اللّه تعالى- على كتابه، و بنعمه على عباده، و ينقاد لأهل الحق و لا بصيرة له في إخبائه، يقدح الشك في قلبه بأوّل عارض من شبهة، لا ذا و لا ذاك أو منهوما للذّات، سلس القياد للشهوات، أو مغري لجمع الأموال و الادّخار لهما في دعاء الدين، أقرب شبها بالأنعام السائحة، كذاك يموت هذا العلم بموت حامليه، اللّهم لا تخلو الأرض من قائم للّه- عز و جل- بحجّة اللّه لكيلا تبطل حجج اللّه و بيانه أولئك هم الأقلّون عددا، الأعظم عند اللّه قدرا، بهم يدفع اللّه- عز و جل- عن حججه، حتى يؤدّيها إلى نظرائهم، و يزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلابوا ما استوعد منه المترفون، و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالنّظر إلى الأعلى، أولئك خلفاء اللّه في بلاده، و دعاته إلى دينه، هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم، أستغفر اللّه لي و لك، إذا شئت فقم،
و دخل ضرار بن صخرة الصدائي على معاوية- رضي اللّه تعالى عنه- فقال: صف لي عليّا، فقال: كان و اللّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، و يحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدّنيا و زهرتها، و يستأنس إلى اللّيل و ظلمته، و كان و اللّه عزير الدّمعة، كثير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه، و يخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما قصر، و من الطّعام ما خشن، كان و اللّه كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، و يجيبنا إذا سألناه، و كان مع تقرّبه إلينا و قربه منّا لا تكلّمه هيبة له، فإن تبسم يضيء مثل اللؤلؤ المكنون المنظوم، يعظّم أهل الدّين، و يحبّ المساكين لا يطمع القويّ في باطله، و لا ييأس الضعيف من عدله فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله و غارت نجومه يتمثّل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السّليم، و يبكي بكاء الحزين فكأني أسمعه الآن
و هو يقول: يا دنيا يا دنيا، غيري غيري ثم يقول للدنيا: إلى تعرضت، أم إلي تشوقت؟ غري غيري قد بنتك ثلاثا فعمرك قصير، و مجلسك حقير، و خطؤك كثير، آه آه، من قلّة الزّاد، و بعد السفر، و وحشة الطريق،
فوكفت دموع معاوية على لحيته ما تملّكها، و جعل ينشفها بكمّه و قد اختنق القوم بالبكاء، و قال هذا أبو الحسن، كيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا يرق دمعها، و لا يسكن حزنها، ثم قام فخرج، و لمّا امتلأ بيت المال من صفراء و بيضاء، قال:
اللّه أكبر، و أعطى جميع ما في بيت مال المسلمين، و هو يقول: يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري، حتّى ما بقي منها دينار و لا درهم ثم أمر بنضحه، و صلّى فيه ركعتين رجاء أن تشهد له يوم