سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - الرابع في موافقاته،
سمعتك أنا و كلّ من في المسجد، فقال: رأيت أصحابنا (بنهاوند) [١] و قد أحاط بهم العدو، و هناك جبل فإن اعتصموا إليه سلموا و ظفروا، و إلّا فيهلكوا فجاء البشير بعد شهر بخبر نصر المسلمين، و أنهم سمعوا في ذلك الوقت صوتا يشبه صوت عمر، يا سارية بن حصين، الجبل الجبل، فعدلوا إليه، فانتصروا و ظفروا، فكشف له عن حال السّرية حتى عاينهم ببصره و ارتفع بصره و صوته إلى أن سمعوه في ذلك الوقت، فلما جاءه البشير أخبره بذلك.
و فتح على يديه فتوحات كثيرة منها بيت المقدس، و من مناقبه قوله «لو أنّ جملا من ولد الضّأن، ضاع على شط الفرات لخفت أن يسألني اللّه تعالى عنه» و منها: تواضعه مع رفعة قدره و جلالة منصبه و منها أنه كان في عام الرمادة يصوم النهار، فإذا أمسى أتى بخبز و زيت فجعل يكسر بيده و يثرد الخبز ثم قال: ويحك تأمرنا، ارفع هذه الجفنة حتّى تأتي بها أهل بيت معترّين فضعها بين أيديهم، و قد حلف في ذلك العام أن لا يأكل سمنا و لا سمينا حتّى يأكل النّاس، و ما أثر عنه من كلماته وجدنا علينا الصّبر، إنّ الطّمع فقر و اليأس عزّ.
جالس التّوّابين فإنّهم أرق شيء أفئدة.
كونوا أوعية الكتاب و ينابيع العلم، و اسألوا رزق يوم بيوم.
و زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، و حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و مهّدوا لها قبل أن تعذّبوا، و تزيّنوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية.
لو أنّ مثل الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب اللّه قبل أن أراه.
و الّذي نفسي بيده لوددتّ أنّي خرجت منها- يعني الخلافة كما دخلت فيها لا أجرا و لا وزرا.
و لو نادى مناد من السّماء: أيّها النّاس، إنّكم داخلون الجنّة إلا رجلا واحدا لخفت أن أكون أنا هو، و لو نادى مناد من السّماء: أيّها النّاس، إنّكم داخلون النّار كلّكم إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا هو.
و روى البخاري عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: وضع عمر بن الخطّاب على سريره فتكنفه الناس يدعون و يصلّون قبل أن يرفع، و أنا فيهم، فلم تر عيني إلا رجلا و قد أخذ بمنكبيّ من ورائي فالتفتّ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب فترحم على عمر، و قال: ما خلق اللّه أحدا أحبّ إليّ من أن ألقى اللّه بمثل عمله منك و ايم اللّه، إن كنت لأظنّ أن يجعلك مع
[١] سقط في ج