دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٩٨ - باب
(١) يوم بدر، فمال شقه، فتفل عليه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لأمه ورده فانطبق».
أخبرنا أبو عبد اللَّه قال: أخبرنا أبو العباس قال: أخبرنا أحمد قال:
أخبرنا يونس عن ابن إسحاق في تسمية من شهد بدرا قال: «و عكّاشة بن محصن و هو الذي قاتل بسيفه يوم بدر حتى انقطع في يده، فأتى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأعطاه جذلا [٣] من حطب، و قال: قاتل بها يا عكّاشة
[٤] فلما أخذه من يد
[ ()] في بعض الطريق انتزع عبد اللَّه بن طارق أحد المسلمين الثلاثة يده من غلّ الأسر ثم أخذ سيفه، فاستأخر عنه القوم و طفقوا يرجمونه بالحجارة حتى قتلوه أمّا الأسيران الآخران فقدمت بهما هذيل مكة و باعتهما من أهلها. باعت زيد بن الدثنّة لصفوان بن أميّة الذي اشتراه ليقتله بأبيه أميّة بن خلف، فدفع به إلى مولاه نسطاس ليقتله. فلما قدّم سأله أبو سفيان: أنشدك اللَّه يا زيد، أ تحبّ أنّ محمدا الآن عندنا في مكانك تضرب عنقه و أنت في أهلك؟ قال زيد: و اللَّه ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه و أنا جالس في أهلي! فعجب أبو سفيان و قال: ما رأيت من الناس أحدا يحبّه أصحابه ما يحب أصحاب محمد محمدا. و قتل نسطاط زيدا، فذهب شهيد أمانته لدينه و لنبيه، أمّا خبيب فحبس حتى خرجوا به ليصلبوه. فقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، فأجازوه فركع ركعتين أتمّهما و أحسنهما، ثم أقبل على القوم و قال: أما و اللَّه لو لا أن تظنوا أني إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. و رفعوه إلى خشبة، فلمّا أوثقوه إليها نظر إليهم بعين مغضبة و صاح: «اللهم أحصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تغادر منهم أحدا، فأخذت القوم الرجفة من صيحته، و استلقوا إلى جنوبهم حذر أن تصيبهم لعنته، ثم قتلوه. و كذلك استشهد خبيب كما استشهد زيد في سبيل بارئه و سبيل دينه و نبيه.
و كذلك ارتفع إلى السماء هذان الروحان الطاهران و كان في استطاعة صاحبيهما أن يستنقذهما من القتل إن رضيا الردة عن دينهما لكنهما في يقينهما باللّه و بالروح و بيوم البعث، يوم تجزى كل نفس ما كسبت و لا تزر وازرة وزر أخرى، رأيا الموت، و هو غاية كل حيّ، خير ما يكون غاية للحياة في سبيل العقيدة و في سبيل الإيمان بالحق، و لكنهما آمنا بأن دمهما الزكيّ الطهور الذي أريق على أرض مكة سيدعو إليها إخوانهم المسلمين يدخلونها فاتحين يحطمون أصنامها، و يطهرونها من رجس الوثنيّة و الشرك، و يردون فيها إلى الكعبة بيت اللَّه ما يجب لبيت اللَّه من تقديس و تنزّه عن أن يذكر فيه اسم غير اسم اللَّه.
[٣] (ص) و (ه): «خذلا و هو تصحيف.
[٤] هو عكاشة بن محصن بن حرثان من السابقين الأولين، شهد بدرا، و جاء ذكره في الصحيحين في