الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٨ - خالق الوجود عليم بأسراره
و يحتمل أن يكون هذا التعبير إشارة إلى خلوص النيّة في الابتعاد عن الذنوب و المعاصي، و الالتزام بالأوامر الإلهية، إذ أنّ العمل السرّي يكون أبعد عن الرياء.
كما لا مانع من الجمع بين هذه الآراء.
التعبير ب (مغفرة) بصورة (نكرة)، و كذلك (أجر كبير) إشارة إلى عظمته و أهميّته، إذ أنّ هذه المغفرة و هذا الأجر من العظمة أنّه غير معروف و لا واضح للجميع.
ثمّ يضيف للتأكيد: وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
نقل بعض المفسّرين عن (ابن عبّاس) قوله في سبب نزول هذه الآية: (إنّ جماعة من الكفّار- أو المنافقين- كانوا يذكرون الرّسول بالسوء بدون علمه، و كان جبرئيل عليه السّلام يخبر الرّسول بذلك، و كان بعضهم يقول للآخر (أسرّوا قولكم) فنزلت الآية أعلاه موضّحة أنّ جهرهم أو إخفاءهم لأقوالهم هو ممّا يعلمه اللّه تعالى) [١].
و تأتي الآية اللاحقة دليلا و تأكيدا على ما ورد في الآية السابقة، حيث يقول تعالى: أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
ذكرت احتمالات متعدّدة في تفسير عبارة: أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ فقال البعض:
إنّ القصد منها هو أنّ الذي خلق القلوب يعلم ما تكنّ فيها من أسرار.
أو أنّ الربّ الذي خلق العباد هل يجهل أسرارهم.
أو أنّه تعالى الذي خلق عالم الوجود جميعا عارف و مطلع بجميع أسراره، و عندئذ هل تكون أسرار الإنسان- الذي هو جزء من هذا العالم العظيم- خافية على اللّه تعالى؟
و لإدراك هذه الحقيقة لا بدّ من الالتفات إلى أنّ مخلوقات اللّه تعالى دائما تحت رعايته، و ذلك يعني أنّ فيض وجوده يصل كلّ لحظة إلى مخلوقاته، فإنّه
[١]- الفخر الرازي، ج ٣، ص ٦٦، و روح البيان، ج ١٠، ص ٨٦، تفسير الآيات مورد البحث.