الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٣ - التوبيخ الشديد لبعض زوجات الرّسول
أمّا الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقد اطّلع على إفشاء هذا السرّ عن طريق الوحي، و ذكر بعضه «لحفصة» و من أجل عدم إحراجها كثيرا لم يذكر لها القسم الثاني (و لعلّ القسم الأوّل يتعلّق بأصل شرب العسل، و الثاني هو تحريم العسل على نفسه).
و على كلّ فإنّه: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.
و يتّضح من مجموع هذه الآيات أنّ بعض زوجات الرّسول لم يكتفين بإيذاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكلامهنّ، بل لا يحفظن سرّه، و حفظ السرّ من أهمّ صفات الزوجة الصالحة الوفيّة لزوجها، و كان تعامل الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم معهنّ على العكس من ذلك تماما إلى الحدّ الذي لم يذكر لها السرّ الذي أفشته كاملا لكي لا يحرجها أكثر، و اكتفى بالإشارة إلى جزء منه.
و لهذا
جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السّلام: «ما استقصى كريم قطّ، لأنّ اللّه يقول: عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [١].
ثمّ يتحدّث القرآن مع زوجتي الرّسول اللتين كانتا وراء هذا الحادث بقوله:
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما.
و قد اتّفق المفسّرون الشيعة و السنّة على أنّ تلك الزوجتين هما «حفصة بنت عمر» و «عائشة بنت أبي بكر».
«صغت» من مادّة «صغو» على وزن «عفو» بمعنى الميل إلى شيء ما، لذلك يقال «صغت النجوم» «أي مالت النجوم إلى الغروب» و لهذا جاء اصطلاح «إصغاء» بمعنى الاستماع إلى حديث شخص آخر. و المقصود من «صغت قلوبكما» أي مالت من الحقّ إلى الباطل و ارتكاب الذنب [٢].
[١]- تفسير الميزان، ج ١٩، ص ٣٩٢.
[٢]- طبقا للتفسير الذي ذكرناه و الذي اختاره أكثر المفسّرين فإنّ هناك شيئا محذوفا في الآية تقديره «إن تتوبا إلى اللّه كان خير لكما» أو تقدير آخر مشابه، و لكن احتمل بعض آخر أنّه ليس هناك محذوف في الآية و جملة (صغت قلوبكما) جزاء الشرط (بشرط أن يكون الميل إلى الحقّ و ليس العكس).