الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - نتيجة الولاء لأعداء اللّه
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [١].
إنّهم يخالفونكم في العقيدة، كما أنّهم شنّوا عليكم الحرب عمليّا، و يعتبرون إيمانكم باللّه- الذي هو أكبر فخر لكم و أعظم قداسة تجلّلكم- غاية الجرم و أعظم الذنب، و لهذا السبب قاموا بإخراجكم من دياركم و شتّتوكم من بلادكم .. و مع هذه الأعمال التي مارسوها معكم، هل من المناسب إظهار المودّة لهم، و السعي لإنقاذهم من يد العدالة و الجزاء الإلهي على يد المقاتلين المسلمين المقتدرين؟
ثمّ يضيف القرآن الكريم موضّحا: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِي [٢] فلا تعقدوا معهم أواصر الولاء و الودّ.
فإذا كنتم ممّن تدّعون حبّ اللّه حقّا، و هاجرتم من دياركم لأجله سبحانه و ترغبون في الجهاد في سبيله طلبا لرضاه تعالى، فإنّ هذه الأهداف العظيمة لا يناسبها إظهار الولاء لأعداء اللّه سبحانه.
ثمّ يضيف عزّ و جلّ للمزيد من الإيضاح فيقول: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَ ما أَعْلَنْتُمْ [٣] [٤].
و بناء على هذا فما عسى أن يغني الإخفاء و هو واقع بعلم اللّه في الغيب و الشهود؟
و في نهاية الآية نجد تهديدا شديدا لمن يجانب السبيل الذي أمر به اللّه
[١]- جملة: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ قالوا: إنّها حال من ضمير (لا تتّخذوا) كما قيل: إنّها جملة استئنافية (الكشّاف، ج ٤، ص ٥١٢).
الباء في (المودّة) إمّا زائدة للتأكيد كما في قوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أو أنّها سببيّة بحذف المفعول الذي تقديره: (تلقوا إليهم أخبار رسول اللّه بسبب المودّة التي بينكم و بينهم) الكشّاف أيضا.
[٢]- يعتقد بعض المفسّرين أنّ هذه الجملة الشرطية لها جزاء محذوف يستفاد من الجملة السابقة تقديره: (و إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي و ابتغاء مرضاتي لا تتولّوا أعدائي).
[٣]- الجملة أعلاه جملة استثنافية.
[٤]- التعبير هنا ب (ما أخفيتم) عوض (ما أسررتم) جاء تأكيدا للمبالغة، لأنّ الإخفاء مرحلة أعمق من السرّ (تفسير الفخر الرازي نهاية الآيات مورد البحث).