الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٧ - لا تستعجل بعذابهم
فعليك أن تستسلم لأمره تعالى و تصبر، لأنّه سبحانه قد حكم بذلك [١].
إلّا أنّ التّفسير الأوّل أنسب.
ثمّ يضيف تعالى: وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ:
و المقصود من هذا النداء هو ما ورد في قوله تعالى: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [٢].
و بذلك فقد اعترف النبي يونس عليه السّلام بترك الأولى، و طلب العفو و المغفرة من اللّه تعالى. كما يحتمل أن يكون المقصود من هذا النداء هو اللعنة التي أطلقها على قومه في ساعة غضبه. إلّا أنّ المفسّرين اختاروا التّفسير الأوّل لأنّ التعبير ب «نادى» في هذه الآية يتناسب مع ما ورد في الآية (٨٧) من سورة الأنبياء، حيث من المسلّم انّه نادى ربّه عند ما كان عليه السّلام في بطن الحوت.
«مكظوم» من مادّة (كظم) على وزن (هضم) بمعنى الحلقوم، و (كظم السقاء) بمعنى سدّ فوهة القربة بعد امتلائها، و لهذا السبب يقال للأشخاص الذين يخفون غضبهم و ألمهم و يسيطرون على انفعالاتهم و يكظمون غيظهم ... بأنّهم: كاظمون، و المفرد: كاظم، و لهذا السبب يستعمل هذا المصطلح أيضا بمعنى (الحبس).
و بناء على ما تقدّم فيمكن أن يكون للمكظوم معنيان في الآية أعلاه: المملوء غضبا و حزنا، أو المحبوس في بطن الحوت، و المعنى الأوّل أنسب، كما ذكرنا.
و يضيف سبحانه في الآية اللاحقة: لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ [٣].
من المعلوم أنّ يونس عليه السّلام خرج من بطن الحوت، و القي في صحراء يابسة،
[١]- في هذه الصورة ستكون اللام في (لحكم ربّك) هي لام التعليل.
[٢]- الأنبياء، الآية ٨٧.
[٣]- مع انّ (النعمة) مؤنث، إلّا أنّ فعلها (تداركه) جاء بصورة مذكر، و سبب هذا أنّ فاعل المؤنث يكون لفظيا، و أنّ الضمير المفعول أصبح فاصلا بين الفعل و الفاعل (فتأمّل!).