الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٧ - قصّة (أصحاب الجنّة)
معتبرين الأمر مختصّا بهم، و غافلين عن مشيئة اللّه، و لذا لم يقولوا: (إن شاء اللّه).
إلّا أنّ الرأي الأوّل أصحّ [١].
ثمّ يضيف تعالى استمرارا لهذا الحديث: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ.
لقد سلّط اللّه عليها نارا حارقة، و صاعقة مهلكة، بحيث أنّ جنّتهم صارت متفحّمة سوداء فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، و لم يبق منها شيء سوى الرماد.
«طائف» من مادّة (طواف)، و هي في الأصل بمعنى الشخص الذي يدور حول شيء معيّن، كما تستعمل أحيانا كناية عن البلاء و المصيبة التي تحلّ في الليل، و هذا المعنى هو المقصود هنا.
«صريم» من مادّة (صرم) بمعنى (القطع) و هنا بمعنى (الليل المظلم) أو (الشجر بدون الثمار) أو (الرماد الأسود) لأنّ الليل يقطع عند مجيء النهار، كما أنّ النهار يقطع عند مجيء الليل، و لذا يقال أحيانا لليل و النهار (صريمان)، و المقصود بذلك هو: البلاء السماوي الذي تمثّل بصاعقة عظيمة- فيما يبدو- أحالت البستان إلى فحم و رماد أسود، و هكذا فعل الصواعق غالبا.
و على كلّ حال فإنّ أصحاب البستان بقوا على تصوّرهم لأشجار جنّتهم المملوءة بالثمر، جاهزة للقطف: فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ [٢].
و قالوا: أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ.
« (أغدوا» من مادّة (غدوة) بمعنى بداية اليوم، و لذا يقال للغذاء الذي يؤكل في أوّل اليوم- وجبة الإفطار- غداء، بالرغم من أنّ (غداء) تقال في التعابير
[١]- بالإضافة إلى التناسب الخاص الموجود بين المعنى الأوّل مع أصل القصّة، فإنّنا إذا اعتبرنا المعنى الثاني هو المقصود، كان يجب أن يقال (و لم يستثنوا) بدلا عن (و لا يستثنون).
[٢]- يقول الراغب في المفردات: إن (تنادوا). أصلها من (نداء) مشتقّة من (ندى)، بمعنى الرطوبة المأخوذة، لأنّ المعروف أنّ الأشخاص الذين تكون في أفواههم رطوبة كافية يتكلّمون براحة، و يتّصف كلامهم بالفصاحة.