الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٦ - قصّة (أصحاب الجنّة)
و كبرهم على فقراء زمانهم.
و يبدو أنّها قصّة معروفة في ذلك الزمان بين الناس، و لهذا السبب استشهد بها القرآن الكريم.
يقول في البداية: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ.
لقد تعدّدت الرّوايات في مكان هذه الجنّة، فقيل: إنّها في أرض اليمن بالقرب من صنعاء، و قيل: هي في الحبشة، و هناك قول بأنّها في أرض الشام، و ذهب آخرون إلى أنّها في الطائف .. إلّا أنّ المشهور أنّها كانت في أرض اليمن.
و موضوع القصّة هو: أنّ شيخا مؤمنا طاعنا في السنّ كان له بستان عامر، يأخذ من ثمره كفايته و يوزّع ما فضل من ثمرته للفقراء و المعوزين، و قد ورثه أولاده بعد وفاته، و قالوا: نحن أحقّ بحصاد ثمار هذا البستان، لأنّ لنا عيالا و أولادا كثيرين، و لا طاقة لنا باتّباع نفس الأسلوب الذي كان أبونا عليه .. و لهذا فقد صمّموا على أن يستأثروا بثمار البستان جميعا، و يحرموا المحتاجين من أي عطاء منها، فكانت عاقبتهم كما تحدّثنا الآيات الكريمة عنه ..
يقول تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ [١].
وَ لا يَسْتَثْنُونَ أي لا يتركون منها شيئا للمحتاجين.
و عند التدقيق في قرارهم هذا يتّضح لنا أنّ تصميمهم هذا لم يكن بلحاظ الحاجة أو الفاقة، بل إنّه ناشئ عن البخل و ضعف الإيمان، و اهتزاز الثقة باللّه سبحانه، لأنّ الإنسان مهما اشتدّت حاجته، فإنّه يستطيع أن يترك للفقراء شيئا ممّا أعطاه اللّه.
و قيل: إنّ المقصود من عدم الاستثناء هو عدم قولهم (إن يشاء اللّه) حيث كان الغرور مسيطرا عليهم، ممّا حدا بهم إلى أن يقولوا: غدا سنذهب و نفعل ذلك،
[١]- «يصرمن» من مادّة (صرم)، (على وزن ضرب) بمعنى حصد الفاكهة، و بمعنى القطع المطلق، و جاءت أيضا بمعنى تقوية عمل ما و إحكامه.