الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٢ - اجتنب أصحاب هذه الصفات
بالخرطوم الذي يستعمل للفيل و للخنزير فقط، و هو دلالة واضحة في تحقيرهم.
و ثانيا: أنّ الأنف في لغة العرب غالبا ما يستعمل كناية عن العزّة و العظمة، كما يقال للفارس حين إذلاله: مرّغوا أنفه بالتراب، كناية عن زوال عزّته.
و ثالثا: أنّ وضع العلّامة تكون عادة للحيوانات فقط، بل حتّى بالنسبة إلى الحيوانات فإنّها لا تعلّم في وجوهها- خصوصا أنوفها- أضف إلى ذلك أنّ الإسلام قد نهى عن مثل هذا العمل.
و مع كلّ ما تقدّم تأتي الآية الكريمة ببيان معبّر واف و واضح أنّ اللّه تعالى سيذلّ هؤلاء الطغاة الذين امتلؤا عجبا بذواتهم، المتمادين في عنادهم و إصرارهم على الباطل، و تجاوزهم على الرّسول و الرسالة .. سيذلّهم بتلك الصورة التي تحدّثت عنها الآية و يفضحهم على رؤوس الأشهاد ليكونوا موضع عبرة للجميع.
إنّ التاريخ الإسلامي ينقل لنا كثيرا من صور الإذلال و الامتهان لأمثال هذه المجموعة المخالفة للحقّ المعاندة في ضلالها، المكابرة في تمسّكها بالباطل، بالرغم من تقدّم الرسالة الإسلامية و قوّتها و انتصاراتها، كما أنّ فضيحتهم في الآخرة ستكون أدهى و أمرّ.
قال بعض المفسّرين: إنّ أكثر آيات هذه السورة كان يقصد بها (الوليد بن المغيرة) أحد رموز الشرك الذي واجه الإسلام و تعرّض لرسوله الأمين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا أنّ من المسلّم به أنّ هذا القصد، لا يمنع من تصميم و توسعة مفهوم الآيات الكريمة و شموليته [١].
[١]- قال البعض: إنّ وضع العلامة على الأنف قد تحقّق عمليّا في غزوة بدر، حيث وجّهت ضربات إلى انوف بعض سادات الكفر و كبرائهم، و قد بقيت آثارها على أنوفهم، و إذا كان المقصود في ذلك (الوليد بن المغيرة) فقد توفّي بذلّ قبل غزوة بدر.
و
جاء في الخطبة المعروفة للإمام علي بن الحسين عليه السّلام في مسجد الشام قوله: «أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا: لا إله إلّا اللّه»
يقصد الإمام علي عليه السّلام بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ١٣٨.
إنّ لهذا التعبير و بلحاظ ما جاء في الآية مورد البحث، حيث يقول تعالى: (سنسمه على الخرطوم) دلالة في غاية اللطف و الروعة، حيث يرينا أنّ الإرادة الإلهية قد تحقّقت على يد عبده المخلص علي بن أبي طالب عليه السّلام.