الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٧ - عالم الوجود المتكامل
و بناء على هذا فإنّ القرآن الكريم يأمر الناس في هذه الآيات أن يتطلّعوا و يتأمّلوا و يدقّقوا النظر في عالم الوجود ثلاث مرّات- كحدّ أدنى- و يتدبّروا أسرار الخلق. و بمعنى آخر فإنّ على الإنسان أن يدقّق في خلق اللّه سبحانه مرّات و مرّات، و عند ما لا يجد أي خلل أو نقص في هذا النظام العجيب و المحيّر لخلق الكون، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى معرفة خالق هذا الوجود العظيم و مدى علمه و قدرته اللامتناهية، ممّا يؤدّي إلى عمق الإيمان به سبحانه و القرب من حضرته المقدّسة.
«خاسئ» من مادّة (خسأ) و (خسوء) على وزن (مدح، و خشوع) و إذا كان مورد استعمالها العين، فيقصد بهما التعب و العجز، أمّا إذا استعملت للكلب فيقصد منها طرده و إبعاده.
«حسير» من مادّة (حسر)، على وزن (قصر) بمعنى جعل الشيء عاريا، و إذا ما فقد الإنسان قدرته و استطاعته بسبب التعب، فإنّه يكون عاريا من قواه، لذا فإنّها جاءت بمعنى التعب و العجز.
و بناء على هذا فإنّ كلمتي (خاسئ) و (حسير) اللتين وردتا في الآية أعلاه، تعطيان معنى واحدا في التأكيد على عجز العين، و بيان عدم مقدرتها على مشاهدة أي خلل أو نقص في نظام عالم الوجود.
و فرّق البعض بين معنى الكلمتين، إذ قال: إن (خاسئ) تعني المحروم و غير الموفّق، و (حسير) بمعنى العاجز.
و على كلّ حال فيمكن استنتاج أساسين من الآيات المتقدّمة:
الأوّل: أنّ القرآن الكريم يأمر جميع السائرين في درب الحقّ أن يتدبّروا و يتأمّلوا كثيرا في أسرار عالم الوجود و ما فيه من عجائب الخلق، و أن لا يكتفوا بالنظر إلى هذه المخلوقات مرّة واحدة أو مرّتين، حيث أنّ هنالك أسرارا كثيرة و عظيمة لا تتجلّى و لا تظهر من خلال النظرة الاولى أو الثانية. بل تستدعي النظر الثاقب و المتعاقب و الدقّة الكثيرة، حتّى تتّضح الأسرار و تتبيّن الحقائق.