الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٦ - عالم الوجود المتكامل
ثمّ يضيف سبحانه: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.
إنّ الآية أعلاه تبيّن لنا أنّ عالم الوجود- بكلّ ما يحيطه من العظمة- قائم وفق نظام مستحكم، و قوانين منسجمة، و مقادير محسوبة، و دقّة متناهية، و لو وقع أي خلل في جزء من هذا العالم الفسيح لأدّى إلى دماره و فنائه.
و هذه الدقّة المتناهية، و النظام المحيّر، و الخلق العجيب، يتجسّد لنا في كلّ شيء، ابتداء من الذرّة الصغيرة و ما تحويه من الإلكترونات و النيوترونات و البروتونات، و انتهاء بالنظم الحاكمة على جميع المنظومة الشمسية و المنظومات الاخرى، كالمجرّات و غيرها .. إذ أنّ جميع ذلك يخضع لسيطرة قوانين متناهية في الدقّة، و يسير وفق نظام خاصّ.
و خلاصة القول أنّ كلّ شيء في الوجود له قانون و برنامج، و كلّ شيء له نظام محسوب.
ثمّ يضيف تعالى مؤكّدا: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ.
«فطور» من مادّة (فطر)، على وزن (سطر) بمعنى الشقّ من الطول، كما تأتي بمعنى الكسر (كإفطار الصيام) و الخلل و الإفساد، و قد جاءت بهذا المعنى في الآية مورد البحث.
و يقصد بذلك أنّ الإنسان كلّما دقّق و تدبّر في عالم الخلق و الوجود، فإنّه لا يستطيع أن يرى أي خلل أو اضطراب فيه.
لذا يضيف سبحانه مؤكّدا هذا المعنى في الآية اللاحقة حيث يقول: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ.
«كرّتين» من مادّة (كر) على وزن (شرّ) بمعنى التوجّه و الرجوع إلى شيء معيّن، و (كرّة) بمعنى التكرار و (كرّتين) مثنّاها.
إلّا أنّ بعض المفسّرين ذكر أنّ المقصود من ال (كرّتين) هنا ليس التثنية، بل الالتفات و التوجّه المتكرّر المتعاقب و المتعدّد.