الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٧ - العاقبة المؤلمة للعاصين
قال البعض: أنّ «الرّسول» يقصد به «جبرائيل» و بهذا يكون النزول نزولا حقيقيّا، نزل من السماء، غير أنّ هذا التّفسير لا ينسجم مع عبارة يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ لأنّ جبرائيل لم يقرأ الآيات القرآنية بصورة مباشرة على المسلمين.
و بصورة عامّة، فإنّ كلّ أي من هذه الآراء يحتوي على نقاط قوّة و نقاط ضعف، و يبقى التّفسير أو الرأي الأوّل أفضل الآراء أي أنّ «الذكر» يقصد به «القرآن» و «رسولا» يقصد به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و ذلك لأنّ القرآن الكريم أطلق على نفسه «الذكر» في آيات كثيرة، خصوصا أنّها كانت مقرونة بكلمة «إنزال» إلى الحدّ الذي أصبح كلّما جاءت عبارة «إنزال الذكر» تداعى إلى الأذهان القرآن الكريم.
ثمّ نقرأ في الآية (٤٤) من سورة النحل وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ.
و جاء في الآية (٦) من سورة «الحجر» وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ.
و إذا جاء في بعض الروايات عن أهل البيت عليهم السّلام أنّ المقصود من «الذكر» هو رسول اللّه و «أهل الذكر» هم «الأئمّة»، فقد يكون المقصود هو المعنى الباطني للآية، لأنّنا نعلم أنّ «أهل الذكر» في آية فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ النحل (٤٣) ليس خصوص أهل البيت عليهم السّلام، بل إنّ شأن نزولها هو علماء أهل الكتاب، و لكن نظرا لاتّساع معنى الذكر فإنّه يشمل رسول اللّه كأحد مصاديقه.
على أي حال فإنّ الهدف النهائي من إرسال الرّسول و إنزال هذا الكتاب السماوي، هو لإخراج الناس من الظلمات و الكفر و الجهل و ارتكاب الذنوب و المآثم و المفاسد الأخلاقية، إلى نور الإيمان و التوحيد و التقوى.
و الواقع أنّ تمام أهداف بعثة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نزول القرآن يمكن تلخيصها بهذه الجملة، و هي الخروج من الظلمات إلى النور.