الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٧ - يعلم ما تخفي الصدور
التي خلق بها البارئ هذا المخلوق الرائع، الذي امتاز على كلّ ما سواه من المخلوقات.
و لأنّ الإنسان خلق لهدف سام عظيم، فعليه أن يكون دائما تحت إرادة البارئ و ضمن طاعته، فإنّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
تجسّد هذه الآية علم اللّه اللامتناهي في ثلاثة مستويات: علمه بكلّ المخلوقات، و ما في السموات و الأرض.
ثمّ علمه بأعمال الإنسان كافّة، سواء أضمرها أو أظهرها.
و الثالث علمه بنيّة الإنسان و عقائده الداخلية التي تحكم قلب الإنسان و روحه.
و لا شكّ أنّ معرفة الإنسان بهذا العلم الإلهي ستترك عليه آثارا تربوية كثيرة، و تحذّره بأنّ جميع تحرّكاته و سكناته و كلّ تصرّفاته و نيّاته، و في أي مكان كانت، إنّما هي في علم اللّه و تحت نظره تبارك و تعالى. و ممّا لا شكّ فيه أنّ ذلك سيهيئ الإنسان للحركة نحو الرقي و التكامل.
ثمّ يلفت القرآن الكريم الانتباه إلى أهمّ عامل في تربية الإنسان و تعليمه، و هو الاتّعاظ بمصارع القرون و ما جرى على الأقوام السالفة حيث يقول: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
ألم تمرّوا على مدنهم المهدّمة و آثارهم المدمّرة في طريقكم إلى الشام و الأماكن الاخرى، فتروا بامّ أعينكم نتيجة كفرهم و ظلمهم. اقرأوا أخبارهم في التاريخ، بعضهم أخذته العواصف، و آخرون أتى عليهم الطوفان، و كان هذا عذابهم في الدنيا و في الآخرة لهم عذاب أشدّ.
ثمّ تشير الآية اللاحقة إلى سبب هذه العاقبة المؤلمة و هو الغرور و التكبّر على الأنبياء: ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ