الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٦ - يعلم ما تخفي الصدور
على عالم الوجود كافّة، و لهذا السبب: وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
و لا حاجة للحديث عن تسبيح المخلوقات جميعا للّه الواحد الأحد بعد أن تطرّقنا إلى ذلك في مواضع عديدة، و هذا التسبيح ملازم لقدرته على كلّ شيء و تملّكه لكلّ الأشياء، ذلك لأنّ كلّ أسرار جماله و جلاله مطوية في هذين الأمرين.
ثمّ يشير تعالى إلى أمر الخلقة الملازم لقدرته، إذ يقول تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ و أعطاكم نعمة الحرية و الإختيار فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ.
و بناء على هذا فإنّ الامتحان الإلهي يجد له في هذا الجو مبرّرا كافيا و معنى عميقا وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ثمّ يوضّح مسألة الخلقة أكثر بالإشارة إلى الهدف منها، إذ يقول في الآية اللاحقة: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ.
فإنّ هذا الخلق الحقّ الدقيق ينطوي على غايات عظيمة و حكمة بالغة، حيث يقول تعالى في الآية (٢٧) من سورة ص: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ثمّ يتحدّث القرآن الكريم عن خلق الإنسان، و يدعونا بعد آيات الآفاق إلى السير في آفاق الأنفس، يقول تعالى: وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ. لقد صوّر الإنسان بأحسن الصور و أجملها، و جعل له من المواهب الباطنية الفكرية و العقلية ما جعل العالم كلّه ينطوي فيه. و أخيرا تنتهي الأمور إليه تعالى وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
نعم، إنّ هذا الإنسان الذي هو جزء من عالم الوجود، ينسجم من ناحية الخلقة و الفطرة مع سير هذا العالم أجمع و غاية الوجود، حيث يبدأ من أدنى المراتب و يرتقي إلى اللامحدود حيث القرب من الحقّ تبارك و تعالى.
جملة: فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ يراد بها الإشارة إلى المظهر الخارجي و المحتوى الداخلي على حدّ سواء. و أنّ التأمّل في خلق الإنسان و صورته، يظهر مدى القدرة