الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٠ - مصدر النفاق و علامات المنافقين
بعبارة اخرى: إنّ المنافقين لم يريدوا الإخبار عن واقعية رسالة رسول اللّه و إنّما أرادوا الإخبار عن اعتقادهم برسالته، و هذا من الكذب المحض.
و من الملاحظ أنّ المنافقين استخدموا كلّ الطرق لتأكيد شهادتهم، غير أنّ اللّه كذّبهم بشدّة و بنفس اللهجة التي أكّدوا فيها شهادتهم. و هذه إشارة إلى أنّ المنافقين يجب أن يواجهوا بنفس الشدّة التي يؤكّدون فيها على صدقهم.
و نشير هنا إلى أنّ «المنافق» في الأصل من مادّة (نفق) على وزن «نفخ» بمعنى النفوذ و التسرّب و «نفق» «على وزن شفق» أي القنوات و التجاويف التي تحدث في الأرض، و تستغل للتخفّي و التهرّب و الاستتار و الفرار.
و أشار بعض المفسّرين إلى أنّ بعض الحيوانات كالذئاب و الحرباء و الفأر الصحراوي، تتّخذ لها غارين: الأوّل واضح تدخل و تخرج منه بصورة مستمرّة، و الآخر غير واضح و مخفي تهرع إليه في ساعات الخطر و يسمّى «النفقاء» [١].
و المنافق هو الذي اختار طريقا مشبوها و مخفيّا لينفذ من خلاله إلى المجتمع، و يهرب عند الخطر من طريق آخر.
و تذكر الآية اللاحقة العلامة الثانية: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
ذلك لأنّهم يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر، و يضعون الموانع و العراقيل في طريق هداية الناس، و ليس هناك أقبح من أن يمنع الإنسان غيره من الاهتداء.
«جنّة» من مادّة (جنّ) (على وزن فنّ) و هي في الأصل بمعنى إخفاء شيء من الحسّ، و يطلق هذا الاسم على (الجنّ) لأنّه مخلوق غير واضح، و يقال للدرع الذي يستر الإنسان من ضربات العدو في لغة العرب (جنّة) و يقال أيضا للبساتين المكتّظة بالشجر بسبب استتار أراضيها فتسمّى (جنّة).
[١]- روح البيان، ج ٩، ص ٥٢٩.