الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٩ - مصدر النفاق و علامات المنافقين
و يأتي خطرهم ثالثا من ارتباطاتهم مع سائر عناصر المجتمع بعلاقات بحيث تصعب مكافحتهم.
و لهذا نرى أنّ أكثر الضربات التي تلقّاها الإسلام على مدى التاريخ جاءته من هذا المعسكر- أي معسكر النفاق. و لهذا- أيضا- نلاحظ أنّ الإسلام شنّ حملات شديدة جدّا عليهم، و وجّه إليهم ضربات عنيفة لم يوجّهها إلى غيرهم.
و بعد هذه المقدّمة نرجع إلى تفسير الآيات.
إنّ أوّل صفة يذكرها القرآن للمنافقين هي: إظهار الإيمان الكاذب الذي يشكّل الظاهرة العامّة للنفاق، حيث يقول تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [١] و يضيف وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
و هذه أوّل علامة من علامات المنافقين، حيث اختلاف الظاهر مع الباطن، ففي الوقت الذي يظهر المنافقون الإيمان و يدعونه بألسنتهم، نرى قلوبهم قد خلت من الإيمان تماما. و هذه الظاهرة تشكّل المحور الرئيسي للنفاق.
و ممّا تجدر الإشارة إليه أنّ الصدق و الكذب على نوعين: «صدق و كذب خبري» و «صدق و كذب مخبري»، يكون المعيار و المقياس في القسم الأوّل هو موافقته و عدم موافقته للواقع، بينما يكون المقياس في القسم الثاني هو موافقته و عدم موافقته للاعتقاد، فإذا جاء الإنسان بخبر مطابق للواقع و لكنّه غير مطابق لاعتقاده، فهذا من الكذب المخبري، و في حالة مطابقته لعقيدته فهو صادق.
و بناء على هذا فإنّ شهادة المنافقين على رسالة الرّسول ليست من قبيل الكذب الخبري لأنّها مطابقة للواقع، و لكنّها من نوع الكذب المخبري إذ تخالف إعتقاد المنافقين. لذلك جاء التعبير القرآني: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
[١]- ذكرت «إنّ» هنا مكسورة، لأنّ لأن لام التأكيد قد جاءت في بداية الخبر، و في هذه الصورة يقدّم التقدير.