الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٩ - أسوة للجميع
التشديد السابق الذي مرّ بنا خلال آيات السابقة في تجنّب عقد الولاء لأعداء اللّه، يتحدّث القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السّلام و منهجه القدوة كنموذج رائد يحظى باحترام جميع الأقوام و خصوصا العرب منهم.
قال تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ [١].
إنّ حياة إبراهيم عليه السّلام الذي هو كبير الأنبياء، تلهمنا دروس العبودية للّه، و الطاعة و الجهاد في سبيله، و الوله و الحبّ لذاته المقدّسة، إنّ هذا النبي العظيم الذي كانت الامّة الإسلامية من بركة دعائه، و هي معتزّة بالتسمية التي أطلقها عليهم، هو لكم أسوة حسنة في هذا المجال.
و المراد من تعبير الَّذِينَ مَعَهُ هم المؤمنون الذين ساروا برفقته في هذا الطريق بالرغم من قلّة عددهم، و هنا رأي آخر في تفسير الَّذِينَ مَعَهُ يرى أنّ المقصود هم الأنبياء الذين كانوا يشاركونه بالرأي، أو أنّ المقصود هم الأنبياء المعاصرون له، و هو احتمال مستبعد، خاصّة إذا أخذنا ما يناسب المقام في تشبيه القرآن الكريم لرسول الإسلام محمّد بإبراهيم عليه السّلام، و تشبيه المسلمين بأصحابه و أعوانه.
و جاء في التواريخ أيضا أنّ جماعة في «بابل» آمنوا بإبراهيم عليه السّلام بعد مشاهدة المعاجز التي ظهرت على يديه، و صاحبوه في الهجرة، قال ابن الأثير في الكامل (ثمّ إنّ إبراهيم و الذين اتّبعوا أمره أجمعوا على فراق قومهم فخرج مهاجرا) [٢].
ثمّ يضيف سبحانه لتوضيح هذا المعنى:
[١]- ذكر المفسرون احتمالات عدة في إعراب هذه الجملة، و الظاهر أن (أسوة حسنة) اسم كان، و (لكم) خبرها و (في إبراهيم) متعلق ب (أسوة حسنة) و لا بد من الالتفات ضمنا إلى أن أسوة بمعنى التأسي و الاقتداء الذي يكون أحيانا بالأعمال الجيدة و اخرى بالسيئة و لذا قيدت هنا ب (الحسنة).
[٢]- الكامل في التاريخ، لابن الأثير، ج ١، ص ١٠٠.