الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - حيل الشيطان و المهالك
الأحوال، و الخشية من محكمة عدله و دقّة حسابه الذي لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها في صحيفة أعمالنا .. و لذا فإنّ التوجّه إلى هذين الأساسين (المبدأ و المعاد) كان على رأس البرامج التربوية للأنبياء و الأولياء، و ذلك لتأثيرها العميق في تطهير الفرد و المجتمع.
و النقطة الجديرة بالملاحظة أنّ القرآن الكريم يعلن هنا- بصراحة- أنّ الغفلة عن اللّه تسبّب الغفلة عن الذات، و دليل ذلك واضح أيضا، لأنّ نسيان اللّه يؤدّي من جهة إلى انغماس الإنسان في اللذات المادية و الشهوات الحيوانية، و ينسى خالقه، و بالتالي يغفل عن ادّخار ما ينبغي له في يوم القيامة.
و من جهة اخرى فانّ نسيان اللّه و نسيان صفاته المقدّسة و أنّه سبحانه هو الوجود المطلق و العالم اللامتناهي، و الغنى اللامحدود .. و كلّ ما سواه مرتبط به، و محتاج لذاته المقدّسة .. كلّ ذلك يسبّب أن يتصوّر نفسه مستقلا و مستغنيا عن المبدأ [١].
و أساسا فإنّ النسيان- بحدّ ذاته- من أكبر مظاهر تعاسة الإنسان و شقائه، لأنّ قيمة الإنسان في قابلياته و لياقاته الذاتية و طبيعة خلقه التي تميّزه عن الكثير من المخلوقات، و إذا نسيها فهذا يعني نسيان إنسانيته، و في مثل هذه الحالة يسقط الإنسان في وحل الحيوانية، و يصبح همّه الأكل و الشرب و النوم و الشهوات.
و هذه كلّها عامل أساس للفسق و الفجور، بل إنّ نسيان الذات هو من أسوأ مصاديق الفسق و الخروج عن طاعة اللّه، و لهذا يقول سبحانه: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
و ممّا يجدر بيانه أنّ الآية لم تقل «لا تنسوا اللّه»، بل وردت بعبارة وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي كالأشخاص الذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم، و هي
[١]- الميزان، ج ١٩، ص ٢٥٣.