الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٠ - السمات الأساسية للأنصار و المهاجرين و التابعين
كناية لطيفة لهذا المعنى، و هو أنّ طائفة الأنصار- أهل المدينة- قد هيّئوا الأرضية المناسبة للهجرة، و كما يخبرنا التاريخ فإنّ الأنصار قدموا مرّتين إلى «العقبة»- و هي مضيق قرب مكّة- و بايعوا رسول اللّه متنكّرين، و رجعوا إلى المدينة مبلّغين، و معهم «مصعب بن عمير» ليعلّمهم امور دينهم و ليهيئ الأرضية المناسبة لهجرة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و بناء على هذا فإنّ الأنصار لم يهيّؤوا بيوتهم لاستقبال المهاجرين فحسب، بل إنّهم فتحوا قلوبهم و نفوسهم و أجواء مجتمعهم قدر المستطاع للتكيّف في التعامل مع وضع الهجرة المرتقب.
و التعبير مِنْ قَبْلِهِمْ يوضّح لنا أنّ كلّ تلك الأمور كانت قبل هجرة مسلمي مكّة، و هذا أمر مهمّ.
و انسجاما مع هذا التّفسير، فإنّ أنصار المدينة كانوا مستحقّين لهذه الأموال، و هذا لا يتنافى مع ما نقل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه أعطى شخصين أو ثلاثة أشخاص من الأنصار- فقط- من أموال بني النضير، إذ من الممكن أن لا يكون بين الأنصار أشخاص فقراء و مساكين غير هؤلاء، بعكس المهاجرين فإنّهم إن لم يكونوا مصداقا للفقير، فيمكن اعتبارهم مصداقا لأنباء السبيل [١].
ثمّ يتطرّق سبحانه إلى بيان ثلاث صفات اخرى توضّح روحية الأنصار بصورة عامّة، حيث يقول تعالى: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ.
فلا فرق بين المسلمين في وجهة نظرهم و المهمّ لديهم هو مسألة الإيمان و الهجرة و هذا الحبّ كان يعتبر خصوصية مستمرّة لهم.
و الأمر الآخر: وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا فهم لا يطمعون بالغنائم التي أعطيت للمهاجرين، و لا يحسدونهم عليها، و لا حتّى يحسّون بحاجة
[١]- إلّا أنّه و طبقا لتفسير آخر فإنّ (و الذين تبوّؤا الدار) تكون مبتدأ، و (يحبّون) خبرها، و إجمالا فإنّها تشكّل جملة مستقلّة، و لا ترتبط بالجملة السابقة التي تتحدّث حول مصاريف الفيء، إلّا أنّ من الواضح أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب.