الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - السمات الأساسية للأنصار و المهاجرين و التابعين
إلى ما اعطي للمهاجرين منها، و أساسا فإنّ هذه الأمور لا تخطر على بالهم. و هذه الصورة تعكس لنا منتهى السمو الروحي للأنصار.
و يضيف تعالى في المرحلة الثالثة إلى وصفهم وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [١].
و من هذه السمات الثلاث: «المحبّة» و «عدم الطمع» و «الإيثار»، كانت تتشكّل خصوصية الأنصار المتميّزة.
و نقل المفسّرون قصصا متعدّدة في شأن نزول هذه الآية:
يقول ابن عبّاس: إنّ الرّسول بيّن للأنصار يوم الإنتصار على يهود بني النضير، إذا كنتم ترومون المشاركة في حصّة المهاجرين من الغنائم فشاطروهم بتقسيم أموالكم و بيوتكم، و إذا أردتم أن تبقى بيوتكم و أموالكم لكم فلا شيء لكم من هذه الغنائم؟ فقال الأنصار: علام نتقاسم بيوتنا و أموالنا معهم، نقدّم المهاجرين علينا و لا نطمع بشيء من الغنائم؟ فنزلت هذه الآية تعظّم هذه الروح العالية [٢].
و نقرأ
في حديث آخر أنّ شخصا أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتشكا إليه الجوع، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى منزله، فقالت زوجته: ما عندنا إلّا الماء، فقال رسول اللّه:
من لهذا الرجل الليلة، فتعهّده رجل من الأنصار و صحبه إلى بيته، و لم يكن لديه إلّا القليل من الطعام لأطفاله. و طلب أن يؤتى بالطعام إلى ضيفه و أطفأ السراج، ثمّ قال لزوجته: نوّمي الصبية، ثمّ جلس الرجل و زوجته على سماط الطعام فتظاهروا بالأكل و لم يضعوا شيئا في أفواههم، و ظنّ الضيف أنّهم يأكلون معه، فأكل حتّى شبع و ناموا الليلة، فلمّا أصبحوا قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فنظر إليهم و تبسّم (دون أن يتكلّم)، فنزلت الآية أعلاه و أثنت على إيثارهم.
[١]- «خصاصة» من مادّة (خصاص) على وزن (أساس) بمعنى الشقوق التي توجد في جدران البيت، و لأنّ الفقر في حياة الإنسان يمثّل شقّا، لذا عبّر عنه بالخصاصة.
[٢]- مجمع البيان، ج ٩، ص ٢٦٠.