الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - نهاية مؤامرة يهود بني النضير
و التشرّد في العالم، لأنّ هذا أشدّ ألما و أسى على نفوسهم، إذ كلّما تذكّروا أرضهم و ديارهم و مزارعهم و بساتينهم التي أصبحت بيد المسلمين. و كيف أنّهم شردوا منها بسبب نقضهم العهد و مؤامراتهم ضدّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فإنّ ألمهم و حزنهم و متاعبهم تضاعف و خاصّة على المستوى النفسي.
نعم، إنّ اللّه أراد لهذه الطائفة المغرورة و الخائنة، أن تبتلى بمثل هذا المصير البائس.
و كان هذا عذابا دنيويا لهم، إلّا أنّ لهم جولة اخرى مع عذاب أشدّ و أخزى، ذلك هو عذاب الآخرة، حيث يضيف سبحانه في نهاية الآية وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ.
هذه عاقبتهم في الدنيا و الآخرة، و هي درس بليغ لكلّ من أعرض عن الحقّ و العدل و ركب هواه، و غرّته الدنيا و أعماه حبّ ذاته.
و بما أنّ ذكر هذه الحادثة مضافا إلى تجسيد قدرة اللّه و صدق الدعوة المحمّدية، فهي في نفس الوقت تمثّل إنذارا و تنبيها لكلّ من يروم القيام بأعمال مماثلة لفعل بني النضير، لذا ففي الآية اللاحقة يرشدنا سبحانه إلى هذا المعنى:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [١].
«شاقّوا» من مادّة (شقاق) و هي في الأصل بمعنى الشقّ و الفصل بين شيئين، و بما أنّ العدو يكون دائما في الطرف المقابل، فإنّ كلمة (شقاق) تطلق على هذا العمل.
و جاء مضمون هذه الآية باختلاف جزئي جدّا في سورة الأنفال الآية ١٣، و ذلك بعد غزوة بدر و انكسار شوكة المشركين، و التي تبيّن عمومية محتواها من كلّ جهة، في قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
[١]- «من» شرطية و جزاؤها محذوف و تقديره: و من يشاقق الله يعاقبه فإن الله شديد العقاب.