اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٤٣
مناهج العلاج الإثباتي
أشرنا آنفا إلى أنّه لايمكن الاعتماد على العلاج الثبوتي في المجالات العلميّة الّتي هي بحاجة إلى الإذعان بمدلول الحديثين المختلفين أو أحدهما ؛ كالفقه، والكلام، والتفسير بحمل الآية على مؤدّى الحلّ الثبوتي والبناء عليه . [١] ولذلك نلاحظ أنّ علاج التنافي والتعارض المبحوث عنه في علم اُصول الفقه ممحَّض في مقام الإثبات ، ودائر مدار طرح أحد المتعارضين إذا لم يمكن التوفيق بينهما بجمع عرفي . ولا يعالَج المختلفان ـ في العلاج الإثباتي ـ إلاّ بعد الفراغ عن اعتبار المختلفين سندا . مع أنه يكتفى في العلاج الثبوتي صِرف احتمال صدورهما عن المعصوم عليه السلام ثبوتا وفي نفس الأمر . ثمّ إنّ علاج المختلفين في مقام الإثبات يكون تابعا لمقدار ما يتطلّبه المجال المبحوث عنه من اعتبار الأحاديث ، فالاعتبار الكافي في الفقه [٢] ـ وسائر العلوم المطلوبة لمقام العمل ـ ربما لايكفي في مجال العقائد والكلام والنجوم ونحوها؛ ممّا يكون المطلوب فيه العلم، [٣] كما أنّ التاريخ قد يختلف أيضا عن الفقه والكلام في ميزان الاعتبار الّذي يقتضيه . [٤]
[١] وأمّا صرف تصوير وجه من المعاني ومحض إبداء احتمال لتصحيح مؤدّاه ثبوتا ـ على فرض صدور الحديث ـ فلا بأس به .[٢] وذلك للاكتفاء في الفقه ـ الموضوع لتشخيص الحكم الشرعي، والتكليف الفرعي ـ بالوثوق والاطمئنان ـ والمعبَّر عنه بالعلم العرفي ـ أو بالأمارات العقلائيّة الممضاة من قِبل الشارع ـ والمعبَّر عنها بالظنون الخاصّة ـ مع أنّهما لا يستلزمان العلم بالمؤدّى ، فحجّية الحديث الفقهي الموثوق بصدوره ـ كأمر عقلائي أو بتعبّد شرعي ـ كاشف عن اكتفاء الشارع بالخبر الجامع لشرائط الحجّية حتّى لو لم يوجب العلم .[٣] وذلك لأنّ ضالّة المتعلّم والمحقّق في مثل هذه العلوم الحصول على الحقائق العلميّة المحضة النفس الأمرية ، وليس إلاّ ، فبقاء احتمال الخلاف لايترك مجالاً للعلم ولا يوجب ثلج اليقين .[٤] كما نلاحظ أنّ المتعارف بين المؤرِّخين والملمّين بعلم التاريخ ـ من المسلمين وغيرهم ـ الاكتفاء في الإذعان بالمسائل التاريخيّة بما ربما يذكره أو يكتبه خبراء فنّ التاريخ ، فإنّ المؤرِّخين ـ في محاضراتهم وتأليفاتهم في التاريخ ـ يكتفون بكلام أمثالهم من دون أن يؤاخذوه بمستند متّصل الإسناد إلى من يخبره عن حسّ ، نعم يشترطون في اعتبار قول أهل الخبرة بالتاريخ بعدم توفّر قرائن وشواهد على خلافه وبعدم معارضة نقل المؤرِّخ بنقل مثله أو منافاته بالمسلّمات أو المشهورات التاريخية ، وهذا المعنى مستفاد من ديدنهم وسيرتهم العمليّة بأدنى تأمّل ، لايقال إنّ هذا من باب الجري على السيرة العقلائيّة في الاعتبار بقول أهل الخبرة في وجه خبرتهم ، لما يقال بأنّ الاكتفاء بهذا المقدار غير جارٍ في الفقه ، فلا يقتنعون في الإذعان بالمسائل الفقهيّة بكلام أمثالهم ، فثبت أنّه يُكتفى في فنّ التاريخ بما لايكتفى به في الفقه .