اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٢٥١
السبب الثلاثون : التدرّج في بيان الشريعة
بيّنّا في البحث السابق جري التشريع الإسلامي على التدرّج في مرحلتي النزول والإبلاغ . وبقي الكلام عن كون هذا التشريع الرفيع جاريا على نفس التدرّج في مرحلة التبيين والتحليل وبيان التفاصيل . توضيح ذلك : أنّ اللّه سبحانه قد تكفّل لنبيّه صلى الله عليه و آله ـ من القرآن الكريم ـ : « جَمْعَهُو وَ قُرْءَانَهُ » [١] يعني قراءته عليه ، كما تكفّل له صلى الله عليه و آله « بَيَانَهُ » ؛ يعني تفسيره وتأويله بجميع ما له من ظواهر المعاني وبواطنها . فلمّا بيّن الباري للنبي صلى الله عليه و آله جميع معاني القرآن ظواهرها وبواطنها ، وجّه إليه مسؤولية إبلاغه ثمّ تبيينه [٢] بوجوهه وتفاصيله . فأبلغ وبلّغ صلى الله عليه و آله رسالته وأدّى مسؤوليّته بأفضل وجه ممكن . لكن لمّا كان للقرآن وراء لفظه العربيّ المبين من العلوم العظيمة، والمعارف العميقة ، والمآثر المستأثرة، والعظمة المتأثّرة بتجلّي ربّ الجلال والإكرام، [٣] ما لم يجد لأحد من الصحابة أهلية حمله ، بيّن لهم على قدر عقولهم، وحسب ما كان يسمحه المجال في تلك المدّة القصيرة والظروف المشحونة بالمشاكل والأسفار والحروب .
[١] القيامة : ١٧ ـ ١٩ ، وهي : « إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَ قُرْءَانَهُ ... ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ » .[٢] حيث قال عزّ من قائل : « وَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » (النحل : ٤٤ ) . « وَ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـبَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » (النحل : ٦٤ ) .[٣] أشار اللّه سبحانه إلى هذه الصفات بقوله : « لَوْ أَنزَلْنَا هَـذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثَـلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » (الحشر : ٢١ ) .