اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٧٦
ومِن أكثرِ مظانّ التخليط روايات التأريخ والسير والقصص عموما، والّتي تخصّ الأنبياء والاُمم خصوصا ؛ وذلك أنّ مقام التحديث بالقصص والسير مستدعٍ للاستكمال والاستطراد، وهما يقتضيان التخليط والتلفيق . مضافا إلى كثرة الضغط والتشديد على أهل البيت عليهم السلام ، وعلى الالتقاء بهم، وحصرهم، وحبسهم عن نشر علومهم ومعارفهم ، في الوقت الذي اُتيحت الفُرَص لعلماء أهل الكتاب ـ المتظاهرين بالإسلام أو المعتنقين له ؛ ليتزلّفوا إلى بِلاطات الحكم والسياسة ، ممّا يجعل لأهل الكتاب مكانة ومنزلة بين الناس فيلتجئون إليهم أو إلى كتبهم المحرَّفة ومعارفهم الخليطة ، لحلّ كثير من غوامض الكتاب العزيز وقصصه ، بل ولبسط ماجرى منها على لسان نبيّنا صلى الله عليه و آله . فترى المراجعين لهم من علماء العامّة خلطوا بين حديث الرسول الكريم صلى الله عليه و آله وبين كلام علماء أهل الكتاب . وقد ألقت هذه الرزيّة خيمتها على مدرسة إخواننا التابعين لمدرسة الخلفاء ، فكدّرت مناهل علومهم، وعيون أحاديثهم ، وأمّا أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام فقد انقطعوا إلى أئمّتهم، وتجنّبوا اتّخاذ أيّة وليجة دون أولئك الحججِ الهادية، والحافظين للسنّة المحمّدية ، غير أنّ مخالطة الشيعة لغيرهم في الرعيل الأوّل من جانب، ومراجعة كتبهم فيما بعد من جانب ثانٍ ، واستبصار كثير من علماء أهل السنّة بولاية آل البيت عليهم السلام من جانب ثالث ، كلّ ذلك أوقع لفيفا منهم في ناحية من هذه المشكلة ، مضافا إلى ذلك فإنّ أصحابنا الأخباريّين نقلوا كلّ ما وجدوا من غير تمييز بين الغثّ والسمين، فلم تبق أحاديثنا مصونة من عوارضها . فحكى الكشّي عن عليّ بن محمّد القتيبي قال : قال أبو محمّد الفضل بن شاذان : «سأل أبي رضى الله عنهمحمّد بن أبي عمير، فقال له : إنّك قد لقيت مشايخ العامّة ، فكيف لم تسمع منهم؟ فقال : قد سمعت منهم ، غير أنّي رأيت كثيرا من أصحابنا قد سمعوا علم العامّة وعلم الخاصّة ، فاختلط عليهم حتّى كانوا يروون حديث العامّة عن الخاصّة ، وحديث الخاصّة عن العامّة ، فكرهت أن يختلط عليّ، فتركت ذلك وأقبلت على هذا». {-٦-}
[١] انظر مقباس الهداية : ج٢ ص٣٠٥ .[٢] الرعاية : ص٢١٠ .[٣] لأنّ وقوع التخليط من الراوي لايمنع عن قبول روايته إذا لم تتّصف به نفسه، مع إمكانِ التمييز بين رواياته، أو الوثوقِ بها ولو بالاُصول العقلائيّة . ومن الشواهد على هذا التعميم في عنوان التخليط : (أ ) . ما رواه الطبرسي في الاحتجاج بإسناده عن أبي محمّد العسكري عليه السلام : «من ركب من القبايح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا، ولا كرامة ، وإنّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك ؛ لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا، فيحرّفونه بأسره؛ لجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجوهها؛ لقلّة معرفتهم ، وآخرون يتعمّدون الكذب علينا» الحديث ؛ (الاحتجاج : ج٢ ص٥١١ ح٣٣٧ ، وسائل الشيعة : ج٢٧ ص١٣١ ح٣٣٤٠١) . (ب ) . ما ذكره الرجاليّون كالنجاشي في ترجمة محمّد بن وهبان أبي عبد اللّه : «ثقة ، من أصحابنا، واضح الرواية ، قليل التخليط ... » (رجال النجاشي : ص٢٨٢) . وكالشيخ في ترجمة محمّد بن اُورَمة : «له كتب مثل كتب الحسين بن سعيد الأهوازي، وفي رواياته تخليط، أخبرنا بجميعها إلاّ ما كان فيها تخليط أو غلوّ ابن أبي جيّد عن...» (الفهرست : ص٢٢٠ الرقم ٦٢٠ ، وراجع الرواشح : ص١٠٧ «الراشحة ٣٤» ، مضافا إلى ما ذكروه في بعض الرواة من الوثاقة وجلالة القدر مع تصريحهم بتخليطه نظير ما ذكروه في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري صاحب نوادر الحكمة ، راجع ؛ الفهرست : ص٢٢١ ـ ٢٢٢ الرقم ٦٢٢ ، ورجال النجاشي : ص٢٤٥ .[٤] راجع ؛ الرعاية : ص٢١٠ ، الدراية في علم مصطلح الحديث : ص٨٠ ، ومقباس الهداية : ج٢ ص٣٠٥ .[٥] راجع اُصول الحديث وأحكامه: ص١٧٠ حيث حكى عن الشيخ سديد الدين عدَّه ابن إدريس مخلِّطا ، وعن الشيخ الطوسي عدَّه عليّ بن أحمد العقيقي كذلك مع كونه إماميّا .[٦] اختيار معرفة الرجال : ج٢ ص٨٥٥ الرقم ١١٠٥ .