اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٦٠١
وعليه فإذا ورد وعد لقوم أو وعيد لآخرين ، ثمّ فسِّر في الأحاديث بقوم لم يكونوا منهم، ولا ممّن يفعل كفعالهم ، بل إنّما جمعتهم واُولئك النيّة والعقيدة ، فهو من هذا الباب . وأمّا كونه من رهطهم وعشيرتهم أو نحو ذلك فلا موضوعية له في مغزى هذه القاعدة ، فإنّ الظاهر أنّ ذكره لأجل كونه من محصِّلات تحقّق رضا قوم بفعال آخرين عادة ، واللّه العالم .
٤ . مشاركة أئمّة كلٍّ من المكارم والمعاصي في أحكامهما
هناك أحاديث تدلّ بكلّ وضوح على أنّ باطن الأحكام هو الرجال ، وأنّ كلّ ما للفرائض والسنن من المحاسن فظاهرُها ـ المفروض الأخذ به ـ هو العمل بها ، وباطنها الدعوة إلى معرفة أئمّتها الأدلاّء عليها ، الّذين هم أبوابها والدعاة إليها . كما أنّ كلّما حرّمه اللّه وأوجب الاجتناب عنه من الفواحش والمعاصي ، فباطنه أئمّة النار الّذين هم أصل الفواحش والداعين إليها ، وهذا لا يعني عدم لزوم الأخذ بظاهرها والاجتناب عنها والعياذ باللّه . وعليه فكما فرض اللّه الأخذ بظاهر الأمر والنهي، كذلك فرض معرفةَ أئمّتهما الداعين إلى كلّ منهما بولاية هؤلاء والبراءة من هؤلاء . وإليك بعض الأحاديث الدالّة على ذلك :
٦٤٨.الكليني بإسناده عن محمّد بن منصور، عن العبد الصال « قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَ حِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَابَطَنَ » [١] : إنّ القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرّم اللّه في القرآن هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمّة الجور ، وجميع ما أحلّ اللّه تعالى في الكتاب هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ [٢] . [٣]
[١] الأعراف : ٣٣ .[٢] الكافي: ج١ ص٣٧٤ ح١٠ .[٣] وهناك حديث مفصَّل كتبه الإمام الصادق عليه السلام إلى المفضَّل بن عمر جوابا لكتابه ، وما ذكر فيه مقال الخطّابية الملعونين ، ملخّصه : « ... وذكرت أنّه بلغك أنّهم يزعمون أنّ الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحجّ والعمرة والمسجد الحرام والبيت الحرام والمشعر الحرام والشهر الحرام هم رجال، وأنّ الطهر والاغتسال من الجنابة هو رجل، وكلّ فريضة افترضها اللّه عز و جل على عباده فهي رجال، وأنّهم ذكروا ذلك بزعمهم أنّ من عرف ذلك الرجل فقد اكتفى بعلمه من غير عمل ... وأنّه بلغك أنّهم يزعمون أنّ الفواحش الّتي نهى اللّه عنها من الخمر والميسر والدم والميتة ولحم الخنزير هم رجال ... ويزعمون أنّ لهذا ظهرا وبطنا يعرفونه، فالظاهر ما يتناهون عنه، يأخذون به مدافعة عنهم، والباطن هو الّذي يطلبون، وبه اُمروا بزعمهم ... وأخبرك أنّ هذا القول كان من قوم سمعوا ما لم يعقلوه عن أهله، ولم يعطوا فهم ذلك، ولم يعرفوا حدود ما سمعوا، فوضعوا حدود تلك الأشياء مقايسة برأيهم ومنتهى عقولهم، ولم يضعوها على حدود ما اُمروا كذبا وافتراءً على اللّه تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه و آله ـ إلى أن قال عليه السلام : ـ واُخبرك حَقا يقينا أنّ اللّه تبارك وتعالى اختار الإسلام لنفسه دينا، ورضيه لخلقه، فلم يقبل من أحد عملاً إلاّ به، وبه بعث أنبياءه ورسله، ثم قال: « وَ بِالْحَقِّ أَنزَلْنَـهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ » فعليه وبه بعث أنبياءه ورسله، ونبيّه محمّدا صلى الله عليه و آله ، فأصل الدين معرفة الرسل وولايتهم، وإنّ اللّه عز و جل أحلّ حلالاً وحرّم حراما، فجعل حلاله حلالاً إلى يوم القيامة، وجعل حرامه حراما إلى يوم القيامة، فمعرفة الرسل وولايتهم وطاعتهم هي الحلال، فالمحلّل ما حلّلوا، والمحرّم ما حرّموا، وهم أصله، ومنهم الفروع الحلال، فمن فروعهم أمرهم شيعتهم وأهل ولايتهم بالحلال؛ من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ـ إلى أن قال عليه السلام : ـ والمعرفة على وجهين: معرفة ثابتة على بصيرة يعرف بها دين اللّه ، فهذه المعرفة الباطنة الثابتة بعينها، الموجب حقّها، المستوجب عليها الشكر للّه الّذي مَنّ عليكم بها مَنّا من اللّه يمنُّ به على من يشاء من عباده مع المعرفة الظاهرة، ومعرفة في الظاهر، فأهل المعرفة في الظاهر الّذين علموا أمرنا بالحقّ على غير علم به، لا يلحق بأهل المعرفة في الباطن على بصيرتهم ـ إلى أن قال عليه السلام : ـ وقد عرفت كيف كان حال رجال أهل المعرفة في الظاهر والإقرار بالحقّ على غير علم، في قديم الدهر وحديثه، إلى أن انتهى الأمر إلى نبيّ اللّه صلى الله عليه و آله ، وبعده إلى من صاروا، وإلى ما انتهت به معرفتهم ... وكيف لا يكون هو معرفة الرجل ! وإنّما هو الّذي جاء به عن اللّه عز و جل ، وإنّما أنكر دين اللّه عز و جل من أنكره ـ إلى أن قال عليه السلام : ـ واللّه تبارك وتعالى إنّما أحبّ أن يعرف بالرجال ، وأن يطاع بطاعتهم، فجعلهم سبيله، ووجهه الّذي يؤتى منه، لا يقبل من العباد غير ذلك ـ إلى أن قال عليه السلام : ـ ولم يبعث اللّه نبيّا قطّ إلاّ بالبرّ والعدل والمكارم ومحاسن الأخلاق ومحاسن الأعمال والنهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالباطن منها ولاية أهل الباطل، والظاهر منها فروعهم، ولم يبعث اللّه نبيّا قطّ يدعو إلى معرفة ليس معها طاعة في أمر أو نهي، وإنّما يتقبّل اللّه من العباد العمل بالفرائض الّتي افترضها على حدودها مع معرفة من جاءهم بها من عنده ودعاهم إليه ... » الحديث ، الصفّار والحسن بن سليمان الحلّي بإسنادهما عن المفضّل بن عمر (مختصر بصائر الدرجات : ص ٧٨ ـ ٨٧ ) .