اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٥٦
علاج الاختلاف :
إنّ التأمّل في الروايتين وقياس إحدهما بالاُخرى يورث الاطمئنان باتّحادهما في الأصل ، وأنّ الثانية قد نقلت بالمعنى مع اختلال في نقل ما رامه الإمام عليه السلام منها ؛ فإنّ جواب الإمام عليه السلام عن السؤال عن حكم الوقف مبنيّ على أنّ الوقف صدقة جارية مشروعة في كلّ برّ وخير . فإذا كان المجوس يوقفون على بيوت نيرانهم ـ لعمارتها، وإصلاحها، وأداء نفقتها، كعمل مرضيّ لدى عقلائهم ـ فبيوت اللّه تعالى أولى بذلك . والنفس تقطع بهذا المعنى المتفاهَم لدى العرف ، لاسيما إذا انضمّت إليه الأحاديث الدالّة على إطلاق حسن الوقف واستحبابه في كلّ خير ، وكذا ما ورد في استحباب عمارة المساجد، والإسراج فيها، وكنسها، وما إلى ذلك ، والوقف من أحسن السبل إليها . والظاهر أنّ الراوي ـ في الرواية الثانية ـ فهم من قوله عليه السلام : «إنّ المجوس أوقفوا على بيت النار» أنّ الإمام في صدد ذمّ التشبّه بالمجوس، [١] والنهي عن الوقف لأجل ذلك ، فنقله بالمعنى الذي فهمه منه، فوقع في الخطأ المذكور . غير إنّ الذي يبعّد ويفنّد هذا المزعوم ، أنّه مخالف لعمومات استحباب الوقف وإطلاقاته الآبية عن التقييد والتخصيص بمثل هذه الموارد ، مع أنّه لم يثبت دليل على استثناء خصوص المساجد . والرواية الثانية غير كافية لتقييد الإطلاقات أو لتخصيص العمومات بعد احتمال اتّحاد الروايتين ، فضلاً عن الاطمئنان به . مضافا إلى مخالفته للمتفاهم العرفي والارتكاز الشرعي والعقلي والعقلائي؛ من محبوبية الوقف في كلّ خير ، فيكون قرينةً لُبيّة متّصلة بالكلام موجبةً لانعقاد ظهوره في ما ذكرناه . قال صاحب الجواهر قدس سره : أمّا المرسل في الفقيه ـ في باب فضل المساجد ـ : أنّه سئل عن الوقوف عليها ، فقال : لا يجوز؛ لأنّ المجوس وقفوا على بيوت النار. المراد به على الظاهر ما
[١] كما ورد النهي عن التشبّه بهم في كثير من الأحاديث ، منها: معاني الأخبار: ص٢٩١ ح١ ، كتاب من لايحضره الفقيه : ج١ ص٧٦ ح٣٣٤ و ج١ ص١٦٣ ح٧٦٩ ، وسائل الشيعة: ج٢ ص١١٦ ح١٦٥٩ و١٦٦٠ .[٢] جواهر الكلام : ج٢٨ ص٣٠ ـ ٣١ .[٣] وسائل الشيعة: ج٥ ص ٢٩٢ .