اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٤٥٢
السبب الرابع والستّون : التقيّة
هي من أهمّ ما يوجب التنافي المدلولي بين الأحاديث ؛ لكثرة صدور الأحاديث الناظرة إلى الأحكام المبنيّة عليها . والتقيّة في اللغة وإن كانت بمعنى الاتّقاء والحذر للخوف ، إلاّ أنّ المراد بها اصطلاحا في علم الكلام والفقه والحديث ما يعمّ حال الاتّقاء عن خوف وابتغاء مصلحة ملزمة . قال الشهيد الصدر قدس سره : «التقيّة أيضا كان لها دور مهمّ في نشوء التعارض بين الروايات ، فلقد عاش أكثر الأئمّة المعصومين عليهم السلام ظروفا عصيبة فرضت عليهم التقيّة في القول أو السلوك . . . التقيّة الّتي كان يعملها الأئمّة عليهم السلام لم تكن تقيّة من حكّام بني اُميّة وبني العبّاس فحسب ، بل كانوا يواجهون ظروفا اضطرّتهم إلى أن يتّقوا أيضا من المسلمين والرأي العامّ عندهم ، فلا يصدر منهم ما يتحدّى معتقدات العامّة، ويخالف مرتكزاتهم وموروثاتهم الدينية الّتي تدخّلت في نشأتها عوامل غير موضوعية كثيرة، في ظلّ الأوضاع الّتي حكمت المسلمين في تلك الفترة من التاريخ . فإنّ المتتبّع لحياة الأئمّة عليهم السلام يلاحظ أنّهم كانوا حريصين كلّ الحرص على كسب الثقة والاعتراف لهم بالمكانة العلمية والدينية المرموقة من مختلف الفئات والمذاهب الّتي نشأت داخل الاُمّة الإسلامية ، وإن كلّفهم ذلك بعض التنازلات والتحفّظات ؛ لكي يستطيعوا بذلك أداء دورهم الصحيح ، وتمثيل ثقلهم التشريعي والمرجعي الّذي تركه لهم النبيّ صلى الله عليه و آله في الاُمّة في الوقت الّذي يحفظون به أيضا على حياتهم وحياة أصحابهم المخلصين ، وهذا هو السبب فيما يلاحظ في أحاديثهم من الاعتراف في كثير من الأحيان بالمذاهب الاُخرى