اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٤١٨
السبب التاسع والخمسون : التهكّم والتمليح
من جملة المحسّنات البديعية الّتي قد توجب الاختلاف الصوري التهكّم ، وهو تفعّل من قولهم : «تهكّمت البئرُ ؛ إذا تساقطت جوانبها » ، وهو كناية عن شدّة الغضب ؛ لأنَّ الإنسان إذا اشتدّ غضبه يخرج عن حدّ الاستقامة واعتدال الأحوال . وهو في اصطلاح علماء البيان عبارة عن إخراج الكلام على ضدّ مقتضى الحال ؛ استهزاء بالمخاطب [١] . مثل ما يحكيه الذكر الحكيم من قول ملائكة العذاب لأهل الجحيم الّذين يصبّ فوق رؤوسهم من الحميم : « ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ » [٢] ، تهكّما واستهزاءً بمن كان يستهزئ بالمؤمنين، أو يتّخذ آيات اللّه هزوا . وكقول الكافرين من قوم شعيب له عليه السلام : « إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ » [٣] . وكقوله تعالى للمنافقين القاعدين عن القتال : «فَإِنْ رَجَعَكَ اللّه إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَ لَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ» [٤] ، حيث إنّ الأمر في شيء من الموارد المذكورة لم يُرَد به البعث حقيقة . ويقرب من التهكّم التمليح ، لاشتراكهما في الاشتمال على الهزء ، فإنّ التهكّم مبنيّ على السخريّة، والتمليح مبنيّ على الإتيان بالملاحة . وبعبارة اُخرى إنّ أحدهما قريب من الآخر؛ لاشتراكهما في حمل المضادّ على المضادّ له ، إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ القصد في التهكّم
[١] راجع الطراز : ج٣ ص١٦١ .[٢] الدخان: ٤٩ .[٣] هود : ٨٧ .[٤] التوبة : ٨٣ .