اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٤٠٦
لا يقال : إنّ صاحب الغار وإن كان خائفا فزعا في أول الأمر ، إلاّ أنّ نزول السكينة من اللّه تعالى أزال عنه ذلك، فأهّله للاُمور المشتملة على البأس، المحتاجة إلى قوّة الجأش . لما يجاب بأنّ : فزعه الشديد المستمرّ واضح من آية الغار كوضوح استمرار النبيّ صلى الله عليه و آله بتسكينه وعلاج فزعه بقوله: « إِذْ يَقُولُ لِصَـحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا » ، ولكن لا نجد دليلاً على نزول السكينة عليه من قِبله تعالى في تلك الحال ، إذ أفرد سبحانه ضميرَ من أنزل عليه السكينة، قائلاً : «فَأَنْزَلَ اللّه سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها » ، ولا يمكن القول برجوع الضمير إليه دون الرسول صلى الله عليه و آله ؛ إذ لا شكّ أنّ ضمير: « وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ » يرجع إليه صلى الله عليه و آله ، فلا يُشَتَّت بين الضمائر . [١] وأمّا وقوعه في أحوج ما كان إلى نزول السكينة ، فلا يفي بالدلالة على ذلك . تنبيه : افترى بعض المناوئين لأمير المؤمنين عليه السلام أنّ عليّا عليه السلام «خطب فقال : لئن لم يدخل الجنّة إلاّ من قتل عثمان لا أدخلها، ولئن لم يدخل النار إلاّ من قتل عثمان لا أدخلها. فقيل له : ما صنعت يا أمير المؤمنين ! فرَّقت الناس ؟! فخطبهم وقال: إنّكم قد أكثرتم علَيّ في قتل عثمان، ألا إنّ اللّه تعالى قتله، وأنا معه، فأوهمهم أنه قتله مع قتل اللّه تعالى له، وإنّما أراد أنّ اللّه تعالى قتله وسيقتلني معه » [٢] . أقول : اشتراك أمير المؤمنين عليه السلام في قتل عثمان هو ممّا افتراه عليه معاوية وحزبُه القاسطون الوضّاعون للأحاديث لأجل إلقاء بغضه عليه السلام في قلوب الناس . والأحاديث الصحاح المصرّحة ببراءته عليه السلام من دم عثمان لا تقبل الإنكار والتأويل .
[١] لا يقال : إنّه صلى الله عليه و آله لم يكن محتاجا إلى نزول السكينة وإنّما المحتاج إليها هو صاحبه ، فلا محالة يرجع الضمير والسكينة إلى صاحبه ، مهما يكن خلاف الظاهر . لما يجاب بقوله تعالى : « فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ و عَلَى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ » (الفتح : ٢٦ ) فإنّه كالصريح في أنّ الرسول صلى الله عليه و آله كغيره من المؤمنين بحاجة إلى نزول سكينة اللّه تعالى عليه ، فلم يكن صلى الله عليه و آله غنيّا عنها ، بل كانت قوّةُ قلبه بمثل هذه العنايات الإلهية ، ولولاها لكان بشرا مثلنا . هذا مضافا إلى قوله عزّ من قائل : « هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَـنًا مَّعَ إِيمَـنِهِمْ » (الفتح : ٤ ) ، وكذا : « لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ » (الفتح : ١٨ ) ، فهاتان الآيتان أيضا تدلاّن على أنّ من شأنه تعالى إنزال السكينة على المؤمنين ، وحيث إنّه صلى الله عليه و آله داخل في عموم المؤمنين ، يشمله نزول سكينة اللّه تعالى .[٢] تأويل مختلف الحديث : ص٤٠ .