اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٣٥٤
مراتبهم في العقل، وتفاوت مستواهم في العلم والثقافة ، فلتكن معارفه وحِكَمه بصفة يجد فيها كلّ مكلّف ضالّته وبغيته . وعدم تحمّل بُسَطاء الناس ـ بل أوساط الخواصّ والمثقَّفين ـ لايبرِّر حرمان الأوتاد والأبدال ومَن دونهم من الكُمَّل عن الحقائق الناصعة والمعارف الراقية اللائقة بهم . فكان من اللازم أن يأتي هذا الدين الرفيع بمعارف عالية وتعاليم راقية، تُلقى بلسان يأخذ كلّ ذي حظّ حظّه، ويهتدي به كلّ ذي فضل بما يليق به [١] . وطبيعة تلك البيانات الراقية تقتضي اشتمالها على أساليب مناسبة لشأنها . فإن وقعت شذراتٌ من جواهر تلك المعارف ولآلئ حِكَمها الراقية ـ عند من لا أهلية له لتحمّلها فلم تستطع أبصار عقولهم النظر فيها ، وصعب عليهم تحمّلها ، فعليهم ترك التسرّع إلى إنكارها ، كما لا يجب عليهم قبولها ما لم تتبيّن لهم صحّتها . الثاني : لا ريب أنَّ العقل من أهمّ الاُسس في تمييز السُنّة من البدعة ، لكن يجب التمييز بين حكم العقل وبين ما يُتوهّم كونه من العقل ، فربّما يوضَع استبعادُ الجاهل وعدم استيناسه بشيء موضعَ حكم العقل بإنكاره ، فيزعم أنصعَ الحقائق ـ عند أهله ـ مخالفا لحكم العقل . [٢] الثالث : إنَّ الناس أعداء ما جهلوا» [٣] ، وأنَّ «أكثر الحقّ فيما تنكرون» ، على حدّ التعبير المرويّ عن أمير المؤمنين عليه السلام . [٤] فيجب التورّع والاجتناب عن إنكار ما لم يحصل القطع
[١] فلذلك صار من صفة هذه الشريعة الكاملة الخالدة أنّه تعالى : « أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا » (الرعد : ١٧ ) . وروي عن الإمام الصادق عليه السلام : «كتاب اللّه عز و جل على أربعة أشياء؛ على العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق ، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء» (الدرّة الباهرة : ص٣١ ، بحار الأنوار: ج٩٢ ص١٠٣ ح٨١ ) .[٢] فمن اللازم في معالجة النقل بالعقل ملاحظة نقاط : أ ـ أنَّ ردّ الحديث أمر لايقوم به إلاّ الخبراء وجهابذة العلماء . ب ـ لزوم الاحتياط في طرح الحديث والاكتفاء بما خالف المحكمات والقطعيات العقلية والنقلية ، دون المظنونات والمستبعدات . ج ـ ملاحظة أنَّ حكم العقل القطعي الّذي يطرح به الحديث هو ما لو سمع خلافه من المعصوم عليه السلام لمباشرة ـ على فرض المحال ـ لم تكن تستطيع قبوله ، دون ما لاتركن إليه النفس اعتمادا على محض الاستبعاد وعدم الاستئناس به .[٣] نهج البلاغة: الحكمة ٤٣٨ و١٧٢ .[٤] نهج البلاغة : الخطبة ٨٧ .