اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٢٦٤
فكما أنّ «النسخ» لا يعارض القول بالتوحيد وفروعه ولا يستلزم أيَّ محذور ، بل يكون من لوازمه، فكذلك «البداء»، وذلك أنّ النسخ تغيير الحكم في حقل التشريع، والبداء تغييره في كتاب التكوين ، مع علم أزلي منه تعالى بما يمحو وما يثبت، [١] فإنّ علمه الثابت في اللوح المحفوظ لا يناله أيّ تغيير ، بل إنّ كلّ ما يحصل في لوح المحو والإثبات مسطور في اللوح المحفوظ . هناك فرق آخر بينهما وهو أنّ النسخ تغيير الحكم الشرعي بعد فعليّته ، والبداء تغيير الحكم التكويني الّذي لم تتمّ شرائط تحقّقه وفعليّته . وأمّا أنّ اللّه تعالى ربما يطلع نبيّه أو وليّه على ما سينسخه ، فليس فارقا بين النسخ والبداء ، لما سيأتي من إمكان أن يُطلعه اللّه بما سيقضي فيه البداء ، بأن يخبره بعض الملائكة بما هو مسطور في لوح المحو والإثبات ، ثمّ يخبره ملَك بما هو مسطور في اللوح المحفوظ مثلاً ، وله شواهد من الأحاديث لا تقبل الإنكار . وسنوضح هذا المعنى في آخر عنوان «البداء التامّ والبداء النسبي» من هذا البحث . فيتّضح أنّ البداء ينقسم إلى قسمين : التامّ والنسبي ، نظير النسخ حيث ينقسم إلى النسخ الناظر ، وغير الناظر .
المثال الأوّل : ارتفاع وعيد يونس عليه السلام لقومه
٢٥٩.١ . روى عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام : ما ردّ اللّه العذاب إلاّ عن قوم يونس، وكان يونس يدعوهم إلى الإسلام فيأبَون ذلك ـ إلى أن قال عليه السلام : ـ فدعا عليهم، فأوحى اللّه عز و جل إليه : يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، في يوم كذا وكذا. فلمّا قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد وبقي العالم فيها، فلمّا كان في ذلك اليوم نزل العذاب، فقال العالم لهم : يا قوم، إفزعوا إلى اللّه ؛ فلعلّه يرحمكم ويرُدّ العذاب عنكم ـ إلى أن قال : ـ فذهبوا وفعلوا ذلك ، وضجّوا وبكوا فرحمهم اللّه ، وصرف عنهم العذاب، وفرّق العذاب على الجبال، وقد كان نزل وقرب منهم . [٢]
[١] « يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِندَهُ أُمُّ الْكِتَـبِ » (الرعد : ٣٩ ) .[٢] تفسير القمّي : ج١ ص٣١٧ ، بحار الأنوار : ج١٤ ص٣٨٠ ح٢ .