اسباب اختلاف الحديث - احسانی فر لنگرودی، محمد - الصفحة ٢٠٥
السبب الثالث والعشرون : التخيير الفقهي
هو أن يكون المكلَّف ـ بحسب واقع الشرع ـ مخيّرا بين أمرين أو أكثر في موضوع واحد . فقد يرد حديثان مختلفا الحكم في موضوع واحد مع حجّيتهما في دلالتهما ودليليّتهما ؛ أعني إحراز دلالتهما، وإحراز أصل صدورهما ووجه الصدور ، فيحرَز أنّ مفادهما مراد للشارع . ففي مثل ذلك وإن حمل الحديثان على التخيير ، [١] إلاّ أنّهما كثيرا ما يوهمان التنافي والاختلاف بظهورهما الأوّلي، ولهذا اعتبر التخيير الفقهي من أسباب الاختلاف . وقبل ذكر الأمثلة ينبغي أن نتحدّث ـ بإيجاز ـ عن حقيقة التخيير الشرعي ، فنقول : إنّ متعلَّق التكليف كالوجوب تارة يكون أمرا معيَّنا، واُخرى أمرا مردّدا؛ أي مخيَّرا بين أمرين أو اُمور ، وإن شئت فعبِّر عنه بوجوب أحدهما لا بعينه ، أو أحدهما اللامعيَّن ، فيكون الواجب هو أحدهما، بحيث إذا اُتي به امتثل الأمر وسقط عن الذمّة . لكن هناك شبهة في صحّة تعلّق الأمر الشرعي بالأمر المخيَّر بين شيئين ، وقبل ذكرها نذكر أنحاء من التخيير والطلب في العرف والتكوين ؛ ذريعة لفهم حقيقة التخيير الشرعيّ، فنقول : طلب الأمر المردّد بين شيئين شائع في الأوامر العرفية ، كما إذا كنت في وقت فراغ
[١] اللّهمّ إلاّ إذا توفّرت شرائط الحمل على النسخ ـ الّذي سيوافيك البحث عنه وعن شروطه ـ فيحمل عليه ، وهو قليل ، ولذا قيل بالتخيير الفقهي فيما إذا ورد الحديثان التامّان في الحجيّة ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر ، وفي إطلاقه تأمّل بل منع . ومحلّ تحقيقه علم الاُصول أو مختلف الحديث .