رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٩
…
الأوّل: وجوب معرفة اللّه تعالى.
الثاني: الطريق إلى معرفته.
أمّا الأوّل: على المكلّف نِعمٌ جمّةٌ من الوجود والحياة والقدرة وغير ذلك، ويعرف ضرورة أنّها ليست منه فتكون من غيره، فذلك الغير إمّا أن يكون واجباً، أو ممكناً.
فإن كان الأوّل كان الفاعل لها هو اللّه تعالى، وذلك ظاهر.
وإن كان الثّاني يكون هو تعالى أيضاً، لأنّه سبب لفاعلها، وفاعل السبب فاعل المسبّب، فيكون اللّه تعالى فاعلاً لها حينئذ على كلا التقديرين فيكون منعماً، وشكر المنعم واجب، فيجب شكره، ولا طريق إلى ذلك إلاّ بمعرفته، فيكون الشكر مناسباً لحاله ولائقاً بكماله وحسب معرفته.
فإن قلت: هذا يلزم منه إثبات مذهب الجبرية، وهو أن يكون الفاعل لأفعال العباد كلّها من الخير والشر هو اللّه تعالى، وهو خلاف مذهبكم.
قلنا: لا خلاف في كونه علّة بعيدة، وإنّما الخلاف في أنّ المباشر لأفعال العبـاد كلّهـا هـو اللّه تعالى أو العبد، فعند المجبرة أنّه اللّه تعالى، وعندنا أنّه العبد، فافترقا. وما كان من أفعال الخير ينسب إليه تعالى، لأنّـه بأمـره; ومـا كان مـن أفعـال الشـر فهـو مـن العبـد، ونسـب إليـه تعالى، لأنّه تعالى نهـاه عنـه، قـال تعالى:(ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ).[١]
وأمّا الثاني: وهو الطريق إلى معرفة اللّه تعالى وهو حدوث العالم، وتقريره موقوف على بيان مقدّمات:
[١] النساء:٧٩.