رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٦
الأنفس، وتقدير الآية: واللّه يتوفّى التي لم تمت في منامها. ولو كان التوفّي بمعنى الإماتة، لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها حينئذ: اللّه يميت التي لم تَمُتْ في منامها. وهل هذا إلاّ تناقض؟ فلا مناص من تفسير التوفّي بالأخذ، وله مصاديق تنطبق على الموت تارة، كما في الفقرة الأُولى; وعلى الإنامة أُخرى، كما في الفقرة الثانية.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى قوله سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ)، فمعناه: يأخذكم ملكُ الموتِ الّذي وُكّل بِكُم ثُم إنَّكُم إلى اللّه ترجَعُون. و أنّ ما يُمثّل شخصيّتكم الحقيقية(النفس) لا يضل أبداً في الأرض، وانّما يأخذه ويقبضه ملك الموت وهو عندنا محفوظ لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يضلّ، وأمّا الضالّ، فهو البدن الذي هو بمنزلة اللباس لهذه الشخصية.
فينتج أنّ الضال ـ حسب نظركم ـ لا يُشكّل شخصية الإنسان، وما يشكّلها ويقوّمها فهو محفوظ عند اللّه، الذي لا يضلّ عنده شيء.
والآية تعرب عن بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادة وآثارها، وهذا الجواب هو الأساس لدفع أكثر الشبهات التي تطرأ على المعاد الجسماني العنصري.
فإذا كان لتجرّد النفس تأثير في الفلسفة والعقيدة الدينية، فكان من اللازم صب الاهتمام الكثير على دراسته وعدم الاقتناع بما ذكره القدماء من المشّائين وغيرهم ونقلت في الكتب، ولأجل تلك الغاية نأتي ببعض البراهين الّتي لم يذكرها الشارح اللاهيجي. وتُقنع الباحث النابه.
البرهان الأوّل: ثبات الشخصية في دوّامة التغيّرات الجسديّة
وهذا البرهان يتألّف من مقدّمتين: