رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣١
يكون اللغوي من أهل خبرة ذلك، بل إنّما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال، بداهة انّ همّه ضبط موارده، لا تعيين أنّ أيّاً منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازاً، وإلاّ لوضعوا لذلك علامة، وليس ذكره أوّلاً علامة كون اللفظ حقيقة فيه للانتقاض بالمشترك.[١]
وقد درج على هذا الكلام كلّ من جاء بعده مسلّمين بذلك مع أنّ تصديق هذه القاعدة يحتاج إلى دراسة تاريخية لتدوين معاجم اللغة.
وأنا أظن انّ الواقع خلاف ما ذكره، وذلك لأنّ مؤلفي أُمّهات المعاجم قد ضربوا آباط الإبل إلى مختلف القبائل والبلدان وعاشروا الناطقين بالعربية غير المختلطين بالأعاجم زمناً غير قليل وتكررت على مسامعهم الألفاظ حتى حصل لهم القطع بمعانيها، وأصبحوا في غنى عن تمييز الحقائق عن المجازات بالتبادر وسائر العلامات.
إنّ الأساتذة ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ قد قصروا النظر على أصحاب المعاجم المتأخرين (المرتزقين على معاجم المتقدمين) الذين ليس لهم شأن إلاّ تبيين موارد الاستعمال; وأمّا أصحاب المعاجم الأوائل كالعين للخليل (المتوفّى ١٧٠هـ)، والجمهرة لمحمد بن الحسن المعروف بابن دريد (المتوفّى٣٢١هـ)، وصحاح اللغة لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (المتوفّى٣٩٣ هـ)، و المقاييس لأحمد بن فارس (المتوفّى٣٩٥) إلى غير ذلك من فطاحل علماء اللغة فقد أخذوا المعاني من أفواه العرب الأقحاح بالدقة حتى أنّ ابن فارس قد بذل جهده ـ في كتابه ـ لإرجاع المعاني المختلفة إلى أصل واحد واستشهد على ذلك بالشعر والحديث.
وعلى كلّ تقدير فسواء أصح ما ادّعيناه أم لم يصح فالقول بعدم حجّية قول
[١] كفاية الأُصول:٢٨٧.