رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٥
الأحكام الشرعية، بمعنى أنّ العلم بالوقائع والطوارئ المحيطة بنزول الآية أو صدور الحديث يؤثّر في استنباط الأحكام، وليس للفقيه أن يلغي دور التاريخ بشكل تام. ونأتي بنماذج من ذلك:
١. عمرة القضاء و التحلّل بالتقصير عن إحرام الحج
نقل المفسّرون أنّ اللّه تعالى أرى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية«أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام»، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنّهم يدخلون مكّة عامهم ذلك، وقد أعدّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه العدّة للعمرة المفردة وفق هذه الرؤية، فلمّا وصلوا إلى أدنى الحلّ (الحديبية) منعتهم قريش من الدخول إلى الحرم وقامت بوجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه إلى أن اصطلح الفريقان على أن يرجع النبي وأصحابه في هذه السنة من ذلك المكان ثمّ يزوروا البيت في العام المقبل ويأتوا بعمرة مفردة، ويقيموا في مكّة ثلاثة أيام وأن لا يحملوا من السلاح إلاّ سلاح السفر. ولمّا مُنعوا عن دخول الحرم وانصرفوا قال المنافقون:«ما حَلَقْنا ولا قصّرنا ولا دَخلنا المسجد الحرم» فأنزل اللّه هذه الآية وأخبر أنّه أرى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)الصدقَ في منامه لا الباطل وأنّهم يدخلونه وأقسم على ذلك، فقال: (صَدَقَ اللّه رَسُولهُ الرُؤيا بِالحَقّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) يعني العام المقبل(إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) ـ أي مُحرمين يحلق بعضُكم رأسه ويقصّر بعض.[١]
هذا هو شأن نزول الآية والواقعة الّتي سبّبت نزولها، وأمّا صلة ذلك بالاستنباط فتتضح بالبيان التالي:
[١] مجمع البيان:٥/١٢٦، طبعة صيدا.