رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٤
٢. أنّ المعاد الجسماني الّذي اتّفق عليه المتكلّمون ورُوّاد الحكمة المتعالية ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ لايتحقّق إلاّ بالقول بتجرّد الروح والنفس الناطقة عن المادّة وأنّها باقية بعد الموت، وفناء البدن.
فإذا قامت القيامة ورجع الروح إلى نفس البدن الّذي اجتمعت أجزاؤه بأمر اللّه سبحانه، يكون المعاد يوم القيامة هو نفس الإنسان الموجود في الدنيا.
وأمّا لو قلنا بأنّه ليس هناك وراء البدن شيء آخر، وأنّ الإنسان يُفني بتفرّق أجزاء بدنه، فالقول بالمعاد الجسماني بعينه يواجه أمراً مشكلاً، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ المعاد هو نفس المبتدأ مع وجود الفاصل الزمني عبر قرون ، الملازم لكون المعاد ـ حين ذاك ـ مثلاً للمتبدأ لا عينه؟
فلو فرضنا أنّ اللبنة بعد ما جفّت، كسرها أحد وطيّنها وصنع منها لبنة جديدة، يكون المعاد غير المبتدأ، وما ذلك إلاّ لفقد الصلة بين المعدوم والموجود، فالقائل بالمعاد الجسماني يقول: إنّ المعاد بعد الفناء هو نفس المبتدأ لا مماثل له، ولا محيص عن القول بوجود حلقة بين المبتدأ والمعاد تحفظ وحدة الأمرين، وإنّما يختلفان زماناً لا عيناً.
وإن شئت قلت: إنّ المعاد جسمانياً وروحانياً ـ كما هو الحقّ ـ عبارة عن القول بتركّب الإنسان من بدن ونفس، فللبدن كمال ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة. والّذي يُحقِّق العينية هو وجود الصلة بين البدن الدنيوي والأُخروي.
هذا ما يستفاد من الذكر الحكيم في قوله:(أَئِذَا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أَئِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ *قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).[١]
[١] السجدة:١٠ـ١١.