رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣
هذه هي الوجوه الّتي اعتمد عليها المؤلّف في هذا الجزء[١]، وقد وقعت هذه الأدلّة موضع نقاش، وذكرها الشارح ودفع النقاشات عنها، لكنّ الأدلّة الدالّة على تجرّد النفس أكثر من ذلك، وقد ذكر بعض المحقّقين من المعاصرين أنّه جمع أدلّة تجرّدها من المصادر العلمية حيث ناهزت أكثر من سبعين دليلاً.
وقال: إنّ عدّة منها تدلّ على تجرّدها البرزخيّة، وطائفة منها تدلّ على تجرّدها العقلية.[٢]
أقول: اللازم في هذه العصور دراسة تجرّد النفس دراسة أوسع من ذلك لأجل أمرين:
١. أنّ تجرّد النفس هو الحدّ الفاصل بين الماديّين والإلهيّين، لأنّ الفئة الأُولى قالوا بمساواة الوجود بالمادّة وأنّه ليس وراءها ملأ ولا خلأ«وليس وراء عبّادان قرية»، ولكن الطائفة الثانية قالوا بسعة الوجود وأنّه أعمّ من المادّة، وركّزوا على أنّ العلوم المادّية لها حق الإثبات وليس لها حقّ النفي، بمعنى أنّ له أن يقول: إنّ الذرّة موجودة وأنّها تتشكّل من جزأين: «الكترون» و «بروتون»، و أمّا أنّه ليس وراء الذرّة عالم آخر فليس له حقّ النفي، لأنّه يعتمد في قضائه على التجربة، والغاية المتوخّاة منها إثبات ظاهرة مادّة موجودة، وأمّا نفي ما وراء تلك الظاهرة فلا يرومه المجرِّب في مختبراته. فإذن التجربة أداة وضعت لدراسة الأمر المادّي وتحليله من دون نظر إلى ما وراء المادّة.
فإذا قام الدليل القطعي على وجود عالم أو عوالم فوق عالم المادّة، يكون دليلاً قاطعاً على سعة الوجود وضيق المادّة، وبرهاناً دامغاً على إبطال الماديّة.
[١] لاحظ شوارق الإلهام:٣/٤٥٩، ٤٧٣.
[٢] كشف المراد:٢٧٨ تعليقة الحكيم الشيخ حسن حسن زاده الآملي ـ دام ظلّه ـ.